قال الله تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الأدبار ﴾ الأنفال 16 . من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، ويؤمن بأن النصر والهزيمة موكلان إلى إرادة فوق إرادة الناس ، ويؤمن أن الله هو الذي يدير المعركة ، وإنما المؤمنون ستار للقدرة يريد الله أن يجعل لهم ثواب الجهاد ، وهو الذي يلقي في قلوب الذين كفروا الرعب ما دام المر كذلك ، ومن أعطى للعدو دبره وتولى ، واعتبر ما يجري في بلاد المسلمين أمر لا يهمه ، فقد استحق من الله العقاب والمأوى غضباً من الله قال تعالى : ﴿ ومن يولهم يومئذٍ دبره متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئةٍ فق باء بغضب من الله ﴾ الأنفال 6 . وما علموا أن المؤمن لا تهزمه في الرض قوة ، لأنه موصول بقوة الله التي لا غالب لها ، وأنه أقوى من أي خصم يواجهه ، لأنه يؤمن بإحدى الحسنيين ، إما أن يحيا عزيزا أو يموت شهيدا ، هذا حكم الله في القرآن عن المعركة .
أما عن واقعنا فلا ندري ماذا يجري غداً أو بعد غد ، وحتى على غير العادة لم تتضح لنا الصورة الصدقة عما يجري للحقيقة التي تطمس في الحروب الدائرة في بلاد المسلمين ، ولا تجد الإجاب الكافية ، فلماذا تقتل الشعوب وتهجر ؟ ولماذا يقف المسلمون موقف المتفرج ؟ ألم يسمعوا بكاء الثكالى والمنكوبين واستغاثات المظلومين ؟ أم أن الحس تبلّد وما عاد له وجود ؟ أم أن اخوة الدين ماتت في القلوب ؟ فما عاد لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مثل المؤمنون في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) ما عاد له في القلوب وجود ، لذلك فقد الإحساس لما يعاني المسلمون ، وما عاد ذلك يحرك اخوة الدين ، أم أن ذلك لا يعنيهم ؟ أم تناسوا أنهم مسئولين أمام الله ، وأن تجاهل ما يجري لا ينجي من عذاب الله ؟ أم أنه عزَّ أن نجد في هذا الزمن نخوة وامعتصماه ؟ ولماذا هده المواقف الحيادية ؟ ولماذا يرضى المسلمون بهذا التقصير ؟ ولماذا لا يلبى نداء الواجب ؟ علماً بأن ما يجري ليس مسألة كلام أو انتظار قرار يتخذ أو مقالة تكتب أو خطب تلقى بل هي مسألة حياة أو موت ، بل هي مسألة مصير أمة ، فتباً لمن يرى أخاه يموت ولا يمد له يد العون ، وسحقاً لمن يرى باب الجهاد ولا يجاهد .
إن ما يجري هو امتحان لعزائم الأمة ومدى استعدادها للتضحية والجهاد ، فقد سقط المتخاذلون سقوطاً ليس له نظير ، وسبقوا كل سابق في الخيانة والجبن غير سائلين عن مناصرة المجاهدين والمظلومين ، وضربوا المثل المخزي في التنكر لدينهم ، والإعراض عن الثواب الذي أعده الله للمجاهدين ، فكانوا عار هذه الأمة ومصدر بلائها ، فماذا نقول عندما نرى الإجماع في الإعراض عن الجهاد ؟ ونرى المماراة في الحق والمجادلة في الواقع فلا نحرك ساكنا ؟ ولماذا نسير وراء من تنكروا لدينهم ، فلم يعد يجدي معهم وعظ ولا إرشاد ؟ ولماذا نقعد عن المطالبة بحقنا فلا نناله منهم ؟ ولماذا نصدّق قول القائل : إننا نجتمع للعمل على رفع المعاناة ووضع حد لما يجري ؟ ما يذكرني بحكاية تعلمناها في المرحلة الابتدائية وهي أن رجلاً كان يذبح العصافير واحداً بعد الآخر ، و كانت دموعه تسيل على خدَّيه من البرد الشَّديد, فقال عصفورٌ لأخيه الكبير: انظر ما أرحم هذا الرَّجل, إنَّه يبكي شفقةً علينا, فقال له أخوه: لا تنظر إلى دموعه الَّتي تسيل وانظر إلى ما تفعل يداه.. ألم تسمع بدموع التماسيح يا أخي؟! إنَّها تأكل فريستها و عيونها تدمع .
من العار أن نولي الأدبار
