هناك نظرة رائجة عند الكثيرين تدعمها مقولات وأحاديث نبوية، مفادها أن “فساد الحاكم من فساد الرعية” وأشهرها “كما تكونوا يولى عليكم”. فالطاغية كما يقولون عقاب إلهي للرعية على فسادها وظلمها، وجاء في حديث نبوي أن الله يقول: “قلوب الملوك بيدي وإن العباد أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة وإن العباد عصوني حولت قلوب ملوكهم بالسخط والنقمة فساموهم سوء العذاب فلا تشغلوا أنفسكم بالدعاء على الملوك”. وجاء في كتاب “سراج الملوك” أن علي بن أبي طالب حمّل مسؤولية الفتنة التي وقعت في نهاية خلافة عثمان إلى الرعية، إذ سأله أحدهم يا أمير المؤمنين ! ما بال أبي بكر وعمر انصاع الناس لهما، ووليت أنت وعثمان الخلافة ، ولم ينصاعوا لكما فقال: لأن رعية أبي بكر وعمر كانوا مثلي ومثل عثمان ورعيتي أنا اليوم مثلك . وقال الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان “ما أنصفتمونا يا معشر الرعية، تريدون منا سيرة أبي بكر وعمر ، ولا تسيرون فينا ولا في أنفسكم بسيرتهما”. وروّجت كتب التفاسير أيضاً لتلك النظرة فجاء في تفسير السعدي “أن العباد إذا كثر ظلمهم وفسادهم، ومنْعِهم الحقوق الواجبة، ولى عليهم ظلمة يسومونهم سوء العذاب… كما أن العباد إذا صلحوا واستقاموا، أصلح الله رعاتهم وجعلهم أئمة عدل وإنصاف، لا ولاة ظلم واعتساف”. أما تفسير القرطبي فينقل لنا مقولة لابن عباس فيها: “إذا رضي الله عن قوم ولى أمرهم خيارهم، وإذا سخط الله على قوم ولى أمرهم شرارهم”. وبالتدقيق في كتب التراث يثبت أن كثيراً من تلك المقولات الرائجة، زائفة وباطلة، فحديث “كما تكونوا يولى عليكم” رواه البيهقي في سننه مرسلاً وضعفه ابن حجر العسقلاني في تخريج الكشاف، وحكم عليه الألباني بالضعف، وقال: “الواقع يكذبه، والتاريخ حدثنا عن تولي حكام أخيار بعد حكام أشرار والشعب هو هو”. أما الاستدلال بالحديث القدسي الذي يحرم الدعاء على الملوك فورد بالمعجم الأوسط للطبراني، والحديث في “جامع الأحاديث القدسية” بقسم الضعيف والموضوع وقال عنه الألباني : ضعيف جداً .
إن هذه من المفاهيم المضلِّلة التي سعت عمائم الطاغوت إلى زرعها في عقول الناس ، وهو أن المسؤول عن فساد الحكام هو الأمة ! مستدلين بحديث:( كما تكونوا يولى عليكم) الذي سبق ذكر درجته من الصحة ، فإنْ ظلمَ الحاكم وجار صوَّبنا أصابع الاتهام إلى المظلوم ، وقمنا عليه نجلد ظهره! ولا يقتصر أثر هذا المفهوم المضلِّل على مجرد إخراج الطاغوت من قفص الاتهام ، ووضع الأمة مكانه، بل هو يحميه من أية مساءلة مستقبلية، ويُبقي ظلمه ساريًا ؛ إذ يطرح هذا المفهوم حلًا واحدًا لإزالة ظلم الظالمين، وهو أن نوطد علاقتنا مع الله وننتظر… فإن بقي حكامنا في غيهم أو ازداد؛ فإنها إشارة على أن عبادتنا الفردية ليست كافية وفساد طويتنا لم تتغير، بدليل بقاء هؤلاء ، وعليه، فمقياس صلاح الأمة عندهم ، هو صلاح الحكّام، ودلالة ظلم الحكّام هو ظلم الرعية… فهل حقًّا كما نكون يولَّى علينا؟
إن كان الأمر كذلك، لماذا قام الأنبياء في وجه فرعون والنمرود وأبي جهل ، ولكن الواقع ، ما كان هذا النص الضعيف ليشتهر هذا الاشتهار، لولا العبث بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، بل والكذب عليه جهارًا نهارًا. وإن أصحاب هذا الطرح عندما يتكلمون عن عبادة الله ، فلا يتكلمون عن أوامر الله التي توجب محاسبة الظلمة ، ولا عن وجوب تحكيم شرائع الله ، وكأن هذه الأمور مستثناة من العبادة المطلوبة ، في مواجهة ظلم الحكام .
وأخيراً فإن الأمل الوحيد من إنقاذ الأرض من المفسدين في كل الأزمنة والأمكنة، يكمن في قيام أهل الحق والإصلاح بمسؤولياتهم أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر، وجهاداً في سبيل الله قال تعالى: ﴿ فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلاً ممن أنجينا منهم، واتَّبَع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين ، وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون. ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ، وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ﴾ هود/ 116. وكأن أصحاب الطرح الذي ذكرنا لم يسمعوا عن مواقف العزة التي توجب الخروج على الظلم ومحاسبة أهله، ولا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا رأيت أمتي تهاب، فلا تقول للظالم يا ظالم، فقد تودع منهم ) رواه الحاكم في المستدرك. كما تشير الأحاديث الصحيحة إلى أن جور الحاكم ينسحب على سائر واجبات الدين ، فيحِلَها وينقض عراها. قال صلى الله عليه وسلم: ( لتنقضنَّ عُرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضاً الحكم، وآخرهن الصلاة ) أخرجه الإمام أحمد في مسنده والطبراني في المعجم الكبير وابن حبان في صحيحه.
