قال تعالى :﴿وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ الأنعام: 129. فكم من ظالم تسلط على رقاب الضعفاء ، فجاءته العقوبة بتسلط من هو أقوى منه ، وكم من متعجرف أهان البسطاء لضعفهم ، فأذاقه الله الذل والهوان على يد من فوقه ، وفي الآية تهديد للظالم إن لم يمتنع عن ظلمه ، سلط الله عليه ظالماً آخر ويدخل في الآية جميع من يظلم نفسه ، أو يظلم الرعية ، أو التاجر يظلم الناس في تجارته أو السارق وغيرهم، وقال فضيل بن عياض: ” إذا رأيت ظالماً ينتقم من ظالم فقف وانظر فيه متعجباً ” . ومن سنن الله أن يولي كل ظالم ظالماً ، يحثه على الشر ، ويزهده في الخير، وينفره عنه، وذلك من عقوبات الله العظيمة ، والذنب ذنب الظالم فهو الذي على نفسه جَنَى ﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾. ومن ذلك أن العباد إذا كثر ظلمهم وفسادهم ومنْعهم الحقوق الواجبة ، ولّى عليهم ظَلَمَة ، يسومونهم سوء العذاب ، ويأخذون منهم بالظلم والجور أضعاف ما منعوا من حقوق الله ، وحقوق عباده ، كما أن العباد إذا صلحوا واستقاموا ، أصلح الله رعاتهم ، وجعلهم أئمة عدل وإنصاف لا ولاة ظلم واعتساف. قال ابن عباس: ” إذا رضي الله عن قوم ولى أمرهم خيارهم ، وإذا سخط الله على قوم ، ولى أمرهم شرارهم ” وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من أعان ظالماً سلطه الله عليه) قال ابن عباس: ” تفسيرها هو أن الله إذا أراد بقوم شرا ولى أمرهم شرارهم ” يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾. الشورى:30 . وهناك من تدبروا سنة الله التي قد خلت في عباده، وفسروا الأسباب والحوادث بمقتضاها، ورأوا أنه ما وقع بلاء إلا بذنب ، ولا رفع إلا بتوبة، وفي ضوء ذلك رأوا أن الظلم الذي يسلط على الناس من سلاطينهم ، لم يحصل عبثاً ولا لمجرد خطأ وظلم فحسب من أصحاب القرار، وإنما هي سنة الله عز وجل في تسليط الولاة على رعاياهم بأنواع من الظلم ، بسبب ما أحدثوه من المعاصي ، وظلمهم لأنفسهم ولغيرهم ، هذه النظرة الشرعية الصحيحة ، تقود أصحاب هذا الرأي إلى معرفة المخْرَج ، ليرفع الله ما حل بهم من المصائب ، ألا وهي التوبة إلى الله تعالى والإنابة إليه والإقلاع عن موجبات العقوبة والبلاء ، قال الله عز وجل :{فَلَوْلا إذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا}الأنعام: 43 . أرشدنا الله في هذه الآية إلى أسباب رفع البلاء إذا حل بالناس ، وذلك إذا تابوا وأقلعوا عن ذنوبهم التي كانت سبباً في نزول البلاء ، فإن الله عز وجل يرفع بالتوبة المحن والمصائب عن الناس ، كما قال علي رضي الله عنه: «ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة» ثم حذرنا الله عز وجل من التمادي في الذنوب ، وعدم التوبة منها ، لأن ذلك يدل على قسوة القلوب واستكبارها ، واتباع خطوات الشيطان وتزيينه، قال سبحانه: {وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، ثم حذرنا الله عز وجل من مكره واستدراجه للناس ، في حال عدم تضرعهم وتوبتهم فقال: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإذَا هُم مُّبْلِسُونَ ، فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْـحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} فالله يتوعد الذين لم ترجعهم المصائب إلى الله عز وجل ، فيتوبوا من ذنوبهم بفتنة وبلية أخرى ، هي أشد من فتنة الضراء ، ألا وهي فتنة السراء ، وفتح أبواب الدنيا بنعيمها عليهم ، حتى إذا فرحوا بها وظنوا أنهم قادرون عليها ، جاءتهم العقوبة الماحقة ، التي تهون عندها المصيبة ، سواء في شدتها ، أو في كونها تأتي إلى الناس بغتة لم يحسبوا لها حساباً قال تعالى:{وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ}الشورى 30، ألم تنتشر البدع والمحاكم التي يتحاكم فيها الناس إلى قوانين البشر التي لم يأذن بها الله؟ ألم يتساهل كثير من الناس بشأن الصلاة والزكاة ، وهما أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين؟ ألم يقع بعض المسلمين في عقوق الوالدين ، وقطيعة الأرحام ، وظلم العباد؟ ألم يفشُ الربا الخبيث في معاملات كثيرة بين المسلمين؟ ألم يقع بعض المسلمين في تعاطي المسكرات والمخدرات ـ وكثرة الغش في المعاملات، ووجد من يبخس الناس حقوقهم ويأكل أموالهم بالباطل ، ويتعاطى الرشوة التي لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الساعي فيها ودافعها وآخذها؟ ألم يكثر الفجور في الخصومات ، والزور في الشهادات؟ ألم يتساهل كثير من النساء في الحجاب ، ويتبرجن بزينة الثياب؟ ألم يوجد الزنا والخبث وكثرة وسائله ، من قنوات ، تزين الفاحشة وتحببها للناس ، ألم يظلم بعض الناس العمالة التي تحت أيديهم ، بتكليفهم ما لا يطاق أو بعدم الوفاء بعقودهم أو بمنعهم أجورهم ورواتبهم المستحقة لهم؟ يقول ابن القيم: «من العجيب علم العبد بذلك مشاهدةً في نفسه وغيره، وسماعاً لما غاب عنه من أخبار مَن أزيلت نعم الله عنهم بمعاصيه، وهو مقيم على معصية الله ، كأنه مستثنى من هذه الجملة أو مخصوص من هذا العموم، وكأن هذا الأمر جارٍ على الناس لا عليه وواصل إلى الخلق لا إليه، فأي جهل أبلغ من هذا؟ وأي ظلم للنفس فوق هذا ، فالحكم لله العلي الكبير؟» الجواب الكافي ص 45. ويقول رحمه الله تعالى: «تأمل حكمة الله عز و جل في حبس الغيث عن عباده ، وابتلائهم بالقحط إذا منعوا الزكاة ، وحرموا المساكين كيف جوزوا على منع ما للمساكين قبلهم من القوت بمنع الله مادة القوت والرزق ، وحبسها عنهم ، فقال لهم بلسان الحال ، منعتم الحق فمنعتم الغيث ، فهلا استنزلتموه ببذل ما لله قبلكم، وتأمل حكمة الله تعالى في صرفه الهدى والإيمان عن قلوب الذين يصرفون الناس عنه فصدهم عنه كما صدوا عباده، صداً بصد، ومنعاً بمنع، وتأمل حكمته تعالى في محق أموال المرابين ، وتسليط المتلفات عليها كما فعلوا بأموال الناس ، ومحقوها عليهم ، وأتلفوها بالربا ، جوزوا إتلافاً بإتلاف ، فقل أن ترى مرابياً إلا وآخرته إلى محق وقلة وحاجة، وتأمل حكمته تعالى في تسليط العدو على العباد ، إذا جار قويهم على ضعيفهم ، ولم يؤخذ للمظلوم حقه من ظالمه ،كيف يسلط عليهم من يفعل بهم كفعلهم برعاياهم وضعفائهم سواء بسواء، وهذه سنة الله تعالى منذ قامت الدنيا إلى أن تطوى الأرض ويعيدها كما بدأها وتأمل حكمته تعالى في أن جعل ملوك العباد وأمراءهم وولاتهم من جنس أعمالهم، بل كأن أعمالهم ظهرت في صور ولاتهم وملوكهم، فإن استقاموا استقامت ملوكهم، وإن عدلوا عدلت عليهم، وإن جاروا جارت ملوكهم وولاتهم، وإن ظهر فيهم المكر والخديعة فولاتهم كذلك وإن منعوا حقوق الله لديهم وبخلوا بها ، منعت ملوكهم وولاتهم ما لهم عندهم من الحق ، وبخلوا بها عليهم، وإن أخذوا ممن يستضعفونه ما لا يستحقونه في معاملتهم ، أخذت منهم الملوك ما لا يستحقونه وضربت عليهم المكوس والوظائف ، وكلما يستخرجونه من الضعيف يستخرجه الملوك منهم بالقوة، فعمالهم ظهرت في صور أعمالهم وليس في الحكمة الإلهية أن يولى على الأشرار الفجار ، إلا من يكون من جنسهم » مفتاح دار السعادة ص 234 ، 254.
إن مما يؤسف له أن كثيراً منا يرى حرمات الله تنتهك ، وحدوده تضاع ، ومع ذلك لا نرى الغيرة على ذلك ، ولا نرى التحرك لإنكارها، وكأن الأمر شأن لا يعنينا، بينما إذا مست أرزاقنا ودنيانا الفانية وطعام بطوننا ، فإن الأمر يتغير، حينها نعلن حالة الطوارئ ويصيبنا الخوف والهلع ، ونبذل كل وسيلة ممكنة لتغيير ما أصابنا، مما يدل على أن اهتمامنا بديننا يأتي في آخر سلم الاهتمامات ، يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: «أي دين وأي خير فيمن يرى محارم الله تنتهك ، وحدوده تضاع ، ودينه يترك وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يرغب عنها ، وهو بارد القلب ساكت اللسان شيطان أخرس، كما أن المتكلم بالباطل شيطان ناطق؟ وهل بلية الدين إلا من هؤلاء ، الذين إذا سلمت لهم مآكلهم ورياساتهم فلا مبالاة بما جرى على الدين؟ وخيارهم المتحزن المتلمظ، ولو نوزع في بعض ما فيه غضاضة عليه ، في جاهه أو ماله ، بذل وتبذل وجد واجتهد، واستعمل مراتب الإنكار الثلاثة بحسب وسعه وهؤلاء – مع سقوطهم من عين الله ومقت الله لهم – قد بلوا في الدنيا بأعظم بلية تكون وهم لا يشعرون، وهو موت القلوب، فإنه القلب كلما كانت حياته أتم كان غضبه لله ورسوله أقوى، وانتصاره للدين أكمل» إعلام الموقعين ج2 ص 177، ويقول ابن عقيل رحمه الله تعالى: «من عجيب ما نقدت من أحوال الناس ـ كثرة ما ناحوا على خراب الديار، وموت الأقارب والأسلاف، والتحسر على الأرزاق بذم الزمان وأهله ، وذكر نكد العيش فيه، وقد رأوا من انهدام الإسلام وشعث الأديان، وموت السنن، وظهور البدع، وارتكاب المعاصي وتقضي العمر في الفارغ الذي لا يجدي، والقبيح الذي يوبق ويؤذي فلا أجد منهم من ناح على دينه، ولا بكى على فارط عمره، ولا آسى على فائت دهره ، وما أرى لذلك سبباً إلا قلة مبالاتهم بالأديان وعظم الدنيا في عيونهم ، ضد ما كان عليه السلف الصالح ، يرضون بالبلاغ وينوحون على الدين» الآداب الشرعيه ج2 ص 345 .
من سنن الله أن الظالم سيبلى بأظلم منه
