قال الأصمعي: بَكيْتُ الرجل وبَكَّيْتُهُ كلاهما إذا بكيتَ عليه. وبُكىً وبُكَاءً: دمَعت العَيْنُ حُزناً. عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بنساء عبد الأشهل يبكين هلكاهن يوم أحد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( لكن حمزة لا بواكي له..) أخرجه ابن ماجه وأحمد وغيرهما قال الألباني: حسن صحيح. والذي كان يرمي إليه النبي صلى الله عليه وسلم فيما قاله هو: أن حمزة رضي الله عنه ليس له كثير قرابة في المدينة ، فكان صلى الله عليه وسلم مشفقا عليه من ذلك لشدة حبه له ، والمسلمون اليوم لا بواكي لهم في هذا العالم الظالم ، ألا ترون أن ضحايانا لا تحصل ، على اهتمام الإعلام العالمي عندما تُرتكب جريمة ضدنا؟ أم أن الإنسانية تراجعت لدى الغربيين ، فلم يعودوا يهتموا بضحايا المسلمين ، قدر اهتمامهم بضحاياهم، أم أن ضحايانا لا تستحق اهتمام الإعلام ، كما اهتم بضحايا باريس وأن الذين يُقْتَلوا بدمٍ بارد ، ليسوا بحاجة إلى من يشعر بمأساتهم ، فلماذا هذا التناقض والازدواجية في المواقف الدولية إزاء الأحداث ، ها نحن نرى العالم بأجمعه شرقه وغربه ، قد وقف مستنكرا مدينا ، ما جرى في باريس ، بينما يمر مقتل أطفال المسلمين ، ظلماً وعدواناً دون استنكار وها هم رؤساءُ العالم ووزراؤهم ، تداعوا إلى القيام بمظاهرة ، تغطيها أشهرُ فضائيات العالم ، احتجاجاً على ما جرى في باريس بينما لم تتعالَ التنديدات ، بجرائم إسرائيل وروسيا في سوريا وفلسطين ، ولم يركّز الإعلامُ العالمي ، أضواءه وكاميراته ، على ما يجري ، لأن دماء المسلمين رخيصة لا تتطلب هذا الاهتمام العالمي ، أم أن الإنسانية لم تعد تعني عند الغرب ، سوى التعاطف مع قتلى باريس، إنه تعاطفٌ انتقائي عنصري فاضح ، يتوجّه فقط إلى بني جنسهم ، أو دينهم ، إذا تعرّضوا لأي اعتداء، فتقوم الدنيا ولا تَقعُد ، وتُحْمَّل المسؤولية للمسلمين ، ويُدفعون إلى تقديم الاعتذارات ، عن جرائم غيرهم ، بشكل مهين، أما حين يتعلق الأمرُ بضحايا مسلمين قُتلوا من قبل مسيحي أو يهودي ، فلا تعاطف ، ولا من يقدّم اعتذاراً ، أو احتجاج أو فتح تحقيق ، ويحُمّل الإسلامُ المسؤولية، ويقوم الإعلام بالتبريرات اللازمة وهنا نقول : لماذا لا تكون التغطية الإعلامية ، لقتلانا وشهدائنا في وفلسطين وسوريا والعراق ، ولماذا لا يتداعوا ، من أجل قتلانا وشهدائنا ، الذين تُهْدم المنازل على رؤوسهم ، وتجرف مزارعهم ، وتقتلع أشجارهم، وهم صامدون لا بواكي لهم ولم يجدوا من يقف حداداً من أجلهم أليست هذه مذلة وانهزامية يعيشها المسلمون ، حين يطلب منهم أن ينسوا قتلاهم وشهداءهم الأبرياء ، الذين نسمع عنهم ، في كل يوم ، وكأنه برنامج يومي نستفتح به يومنا ، حتى لم يعد الاهتمام لحرمة دماء المسلمين ، ولا لقتل أطفالهم ونسائهم ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، ماذا دها أمتنا ؟ التي صار الذبح فيها مجرد مقطع للمشاهدة اليومية ، يمر على العيون والقلوب ، دون حراك ولا بكاء ، حتى إن المرء ليقول : كم من الدماء ينبغي أن تُسفك حتى تتحرك نخوة العالم من حولنا إن كان عنده نخوة ورجولة ؟ وإذا لم تكن عند العالم نخوة ، فأين نخوة العرب والمسلمين ، ولماذا يصمتوا وكأن على رؤوسهم الطير ؟ ولماذا هانت عليهم دماء المسلمين ؟ ولماذا تواطأوا وتخاذلوا ؟ أما علموا أن حرمة الدم واحدة عند الله ﴿ من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ﴾ ألا لعنة الله على صمتهم الجبان ، وخذلانهم الرخيص ؟ أما علموا أن ما يحدث في سوريا وفلسطين والعراق ، مجزرة وجريمة ، يتحرك لها وجدان كل من عنده ضمير، أو ذرة من إنسانية ؟ ألا فتعساً لكل الخونة الجبناء الذين ما وقفوا مع إخوانهم ، ولا نصروهم ولا ساندوهم ، ولا أطلقوا الرصاص دفاعاً عنهم ، ولقد أحسن القائل :
أطلقْ رصاصك لن تزحزحني عن عفتي وثبات إيماني
أغراكَ بي أني بلا سندٍ يقتص لي وسكوت إخواني
ما معنى التباكي على سلامة إسرائيل ، بينما الفلسطينيون ، لا بواكي لهم ، وكأنهم مجرد قطيع لا عتب على إسرائيل إن قتلتهم :
عذرا فلسطين قد ذلت قوافينا ما عاد ينفع دمع من بواكينا
ما عاد ينفع أقوالٌ مكررة بتنا نكرر لم ننقذ فلسطينا
إن السياسة التي تمارسها القوى النافذة في المجتمع الدولي ، هي سياسة الكيل بمكيالين أو ازدواجية المعايير ، وهي تمثل قمة النفاق السياسي ، الذي يستمر، مادام أن هناك مصالح وحروبا ، وأقوياء وضعفاء وشراء وبيع ذمم. ومادام الوضع العربي غير مستقر، فإن الآلاف يقتلون في ظل الصمت العالمي ، والتعتيم الإعلامي ، وفي ظل عدم اهتمام المسلمين بما يحدث لإخوانهم وعلى مسمع المنادين بحقوق الإنسان فأين هم مما يحدث ، من القتل والمجازر المروعة التي لا يمكن مشاهدتها من بشاعتها ، يُقْتل صهيوني واحد ، فتقام الدنيا لأجله ولا تقعد بينما تباد أمة بأسرها والعالم ساكت يتفرج ، يرافقه تعتيم إعلامي لما يعاني المسلمون ، من المجازر الفظيعة التي ترتكب في حق المسلمين ، الذين لا ذنب لهم إلا أنهم قالوا ربنا الله ، لم يبكهم أحد ولم ترصدهم وسائل الإعلام ، ولم تخرج من أجلهم التظاهرات ، ولم تستنكر بشاعة الإجرام الذي يتعرضون له ، ولا يمكن للمجتمع الدولي، أن يبقي على صمته المتحيز أمام ما يسجله التاريخ ، من مواقف المقاومة وشجاعتها ، وأمام صرخات الضمائر الحية التي يغزو صداها شوارع العالم ومنتدياته الحرة حالٌ لن يدوم لأولئك الذين ظَلموا واستكبروا وعتوا في الأرض عتوا كبيرا ﴿وسيعلم الذين ظَلموا أي منقلب ينقلبون، صدق الله العظيم ﴾ ولن يبق الحال كما هو ، على الذين تجرعوا كأس العذاب والظلم ، عقودا من الزمن ونسجوا من آلامهم وأحزانهم وصبرهم ، أكفانا يعدونها يوم نصرهم الموعود على أعدائهم قال الله تعالى : ﴿ وكان حقا علينا نصر المؤمنين ﴾ .

بارك الله فيك