حسب الحب من البهاء والحسن ، أنه يطهر النفوس، ويمحو صورة الرذيلة ، ويدعو إلى مكارم الأخلاق، ويحمل على كريم الطباع، وعظيم الشمائل ، وليس كالحب إذا لم يكن في حرام مطهراً للنفوس، ومصلحاً للأمم، وحافزاً للفضيلة .
قال أبو عبد الرحمن ابن عقيل: ” الحب أحجية الوجود ، ليس في الناس من لم يعرف الحب، وليس فيهم من عرف ما هو الحب ، الحب مشكلة العقل التي لا تحل؛ ولكنه حقيقة القلب الكبرى ، الحب إشراقةٌ للنفس؛ وحياة للروح؛ فمن لم يحب فليس من الأحياء في شيءٍ؛ وإن كان حيّاً في جسده، وإن كان متحركاً ببدنه ، فَدِينُ الله يكون على القلب ، بالاعتقاد ، وبالحب وبالبغض ، ويكون على اللسان بالنطق ، وترك النطق بالكفر ويكون على الجوارح ، بفعل أركان الإسلام ، وترك الأفعال التي تكفّر ، فإذا اختل واحدة من هذه الثلاث كفر وارتد ” “الدررالسنية ” 10/87
وقد حث الإسلام أيضا على الحب بين الزوجين ، بل وأمر المسلمين به حيث ورد في القرآن: { وعاشروهن بالمعروف}
” سئل أحد الحكماء، ما الفرق بين من يتلفظ الحب وبين من يعيشه؟ قال الحكيم: سترون الآن، ودعاهم إلى وليِّمة وبدأ بالذين لم تتجاوز كلمة الحب شفاههم ، ولم ينزلوها بعد إلى قلوبهم، وجلس إلى المائدة ، وجلسوا بعده. ثم أحضر الحساء وسكبه لهم ، وأحضر لكل واحد منهم ملعقة بطول متر! وأشترط عليهم أن يحتسوه بهذه الملعقة العجيبة، وحاولوا جاهدين لكن لم يفلحوا ، فكل واحد منهم لم يقدر أن يوصل الحساء إلى فيه دون أن يسكبه على الأرض!! وقاموا جائعين في ذلك اليوم . قال الحكيم: حسنا، والآن أنظروا… ودعا الذين يحملون الحب داخل قلوبهم ، إلى نفس المائدة ، فأقبلوا والنور يتلألأ على وجوههم المضيئة، وقدم لهم نفس الملاعق الطويلة! فأخذ كل واحد منهم ملعقته وملأها بالحساء ، ثم مدها إلى الشخص الذي يقابله، وبذلك شبعوا جميعاً، ثم حمدوا الله
وقف الحكيم وقال: من يفكر على مائدة الحياة ، أن يشبع نفسه فقط؛ فسيبقى جائعاً، ومن يفكر أن يشبع أخاه ، سَيشْبع الاثنان معاً “. هذا يدل على أن الحياة ليست في الاكتفاء بالأخذ من الآخرين دون العطاء، وليست لمن لا ينظر إلا لنفسه ، ولا يهتم بمن حوله ممن هم بحاجة إلى عطائه ولطفه ، فالحياة الحقيقية تتمثل بالبذل والعطاء ، لمن حولك ابتداء من القريب إلى البعيد. فبالعطاء يَشْبَع الجائع ، ويروى العطشان ، ويُكسى العريان وتُرسم البسمة على شفاة ، لطالما سلبتها ، ظروف الحياة وقسوتها، وبالعطاء يتحقق التكاتف والتعاون ، ليصبح الجميع جسدا واحدا تكسوه المحبة والألفة، وبالعطاء ترتقي الأمم وتسمو الشعوب ، وتزدهر الأوطان ، وتتجسد أعلى مراتب الإنسانية ، فالعطاء سمة إنسانية ، يشعر بحلاوتها من يسخر نفسه للعطاء في أي مجال كان ، ومن يعطي للآخرين يتمتع بالفكر الحضاري وصفاء الروح ، فكلما أعطى ونظر إلى من حوله ليدخل عليهم البهجة والسرور ، وهذا يحفزه ويشجعه لتقديم المزيد من العطاء ، لكي يعيش من حوله بهناء فينعم بالرضا ، ويرتقي بارتقائهم ، ومن يعطي بإخلاص يتحرر من قيود الأنانية ، وحب الذات ، ويسعد كلما أضفى جوا من البهجة والسعادة في البيئة المحيطة به ، وعندما تعطي لاتكن انتقائيا في عطائك لمن تعرف فقط ، أومن بينك وبينه مصلحة ومنفعة أو تتوقع منه أو من أحد المقربين إليه شيئا من ذلك. وعندما تعطي لا تنتظر رد الجميل والجزاء والشكر والثناء. حتى يكون العطاء قربة لوجه الله تعالى ، ولا تتبع عطاءك بالمن والأذى ، وإياك أن ترى الذل والانكسار على وجه من تعطي ، فالله خلقه وكرمه ، فاحفظ له كرامته وماء وجهه. قال الإمام الحسن :
نحن أناس نَوالنا خضل *** يرتع فيه الرجاء والأمل
تجود قبل السؤال أنفسنا *** خوفاً على ماء وجه من يسل معنى خضل : الخوف على ماء وجه السائل ومراعاة مشاعره جميل أن يعطي الإنسان من يعطيه ويرد له الجميل، وجميل أن يعطي من يعرفه ، ولكن الأجمل والأعظم أن يعطي من حرمه ومن لم يعرفه.
يقول كارل مور في كتابه قاعدة للسعادة ص 18: ” اعط بلا مقابل ولا تركز فقط على من تعرفه أو بينك وبينه قرابة أو صداقة ، ولا غرابة في ذلك وهو خلق سيدنا وقدوتنا صاحب الخلق العظيم حيث يقول ﷺ:“ألا أدلكم على خير أخلاق الدنيا والأخرة: تصل من قطعك وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك”. فلا تنتظر مبادرة الآخرين بالتواصل معك والعطاء والعفو ، بل كن أنت المبادر ، وابحث عمن لا يصلك وصله وعمن لا يعطيك واعطه ، فذلك سيكون له انعكاسات إيجابية تجعله يشعر بالخجل ، ويحذو حذوك في الاقتداء بالأخلاق المحمدية ، وإذا كنت معطيا فلا تعطي مالا تهواه ولا تحبه نفسك، ولا تعطي الأشياء التالفة والقديمة ، بدافع التخلص منها فالخير كل الخير في تقديم الأشياء المحببة إلى قلبك ، والتي تكون في صراع مع نفسك للتبرع بها ، كما قال الله جل وعلا: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾. إنك حين تعطي فإن عطاءك لله أكرم الأكرمين فكن على ثقة بالله بأنك لن تفتقر أبدا ، بسبب عطائك في حب الله ، وأن الله حتما سيخلف عليك ، ويعوضك أضعاف ما صرفت ، فالله كريم لا بخل في ساحته. قال تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾.
من يعيش الحب ومن لا يعيشه
