من ينقذ حلب


تعيش حلب الآن يوماً أحمرا يوم فيه من الخذلانِ والخيبةِ ما الله به أعلم! كيف لا، ودونها أمة صامتة ، وهي تئنّ ، كلّما الموتُ بأطفالها ارتطم تنادي وتنوح وتبكي ، ولا صوتَ يعلو فوق صوتِ الألم ، الذي تعانيه من اجتماع الأعداء وتخاذل الأصدقاء وزيادة البلاء، لا عليك يا حلب ، فقد اختارك الله للجهاد فلا تخلعي ثوبا وضعك الله فيه ، في زمن تتلاقى فيه قوى وإرادات مختلفة ، تتدافع وتتصارع قال تعالى : ﴿ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ﴾ الحج 40 ، فالتدافع واقع ومشهود وفي كل يوم نسمع أخبار القتل والتعذيب والقصف والتخريب ، والعالم إما متآمر أو ملتزم الصمت بخلاف ما لو كان المعتدى عليه يهودياً أو نصرانيا ، فإن الدنيا كلها تبكي وتصرخ وتحتج ، ولو أن روسيا التي تقصف حلب ، قصفت دولة يهود ، فماذا سيحدث ؟ قد تقوم حرباً عالمية ، يقتل الملايين وتباد الجيوش رأينا كيف يبكي الغرب ويلطم الخدود ، على قتلى بعض التفجيرات ، ولكن لا أحد يبكي قتلى العراقيين والسوريين والفلسطينيين الذين يموتون تحت التعذيب والقصف ، ولم نسمع أحداً بكى أو تباكى على الذين دفنوا تحت الأنقاض نتيجة قصف الطائرات ، التي تضرب وتقتل ، وتستعمل كافة الأسلحة ، ولا من يحتج أليس هذا تآمراً مكشوفا يقول المؤرخ البريطاني توينبي : ” إن الغرب اضطهد اليهود وأساء إليهم ، وكان المفروض أن يعوضهم ، لكن الذي حصل أن الثمن دفعه أهل فلسطين ، فنزل بهم على أيدي الصهاينة بمساعدة من الغرب أكثر مما نزل باليهود ومع ذلك قام الغرب والشرق مسارعاً للاعتراف بإسرائيل ودعمها بالمال والرجال والعتاد لتمارس اعتداءاتها هناك دول كبرى تمنع تسليح المدافعين عن ثورتهم ، لكنها لا تمانع بتسليح الظالمين بأحدث الأسلحة ، فقد دعمت إسرائيل من قبل وقدمت لها الوف الملايين حتى تطرد أهل فلسطين ليحل مكانهم مهاجرين من الحبشة أو روسيا ، ولعل مما يدخل في سلسلة التآمر ما يصرح به أمثال كيسنجر علنا بأن من الواجب ” تفتيت المقدرة الإسلامية قبل أن يقدّر لها الاكتمال” وقد قدّر الدكتور حامد ربيع أن الرب سيعمل لإجهاض الصحوة الإسلامية عن طريق التلويث والتطويع والإذابة ، أما حملة التلويث : فقائمة على قدم وساق ، تساهم فيها الصحافة العربية ، بعلم أو بدونه ، نيابة عن الآخرين ، أما التطويع : فتلك مهمة الحكومات المحلية فهي تشد يوما وترخي آخر حتى قال وزير داخلية أحد دولها : ” إن احكام الطوارئ تطبق عل الإسلاميين فقط وحقوق الإنسان تشمل كل البشر ما عدا المسلم فهو حلال الدم ” أما الإذابة : فقد تكفل بها أشخاص بهدف ضرب الصحوة الإسلامية وإذابتها” من كتاب- موقف اسرائيل من الحركة الإسلامية- أما التقصير : فلا يخفى ، فقد أصبحنا من مستهلكي الحضارة الغربية ، كما تحولت بلادنا إلى معارض لبضائع الآخرين ومنتجاتهم وأفكارهم تقصير لا نستطيع إنكاره فهذه جامعاتنا ومعاهدنا ، لم تخرّج سوى سيل من الموظفين الذين ينتظرون الترقيات والعلاوات ، وكما قيل ” يعد أياماً ويقبض راتبا ” فما يحصل لنا هو مزيج من تقصير وتآمر ، وإذا عجزنا عن منع الأعداء في وقف تآمرهم علينا فلماذا نعجز عن تلافي التقصير ؟ إن الواجب يحتم علينا التحرك لنصرة ديننا وإنقاذ إخواننا ، لأن ما يجري ما هو إلا فلسطين ثانية ، بعد العمل على وضع اللمسات الأخيرة على نعش فلسطين الأولى ، واليوم يستطيل العالم النصراني المتواطئ ويقومون بنفس الجريمة التي تحرمها مواثيقهم وقوانينهم ، التي لا تساوي قيمة الحبر الذي كتبت به ، لكنهم في خضم الخوف الذي يشتعل في الصدور ، ينسون أن جهودهم توجه ضد الإسلام وقد تحول الصراع من بُعْدِه العلماني كصراع حول الأرض والشجر، إلى منازلة عقيدة ودفع ، بين الحق المجاهد ، والباطل المستكبر لأن العلمانيين ، يمثلون أكبر خطر على الأمة ، وعداوتهم لهذا الدين وأهله ، متأصلة في نفوسهم ، وهم لا يتورعون عن ارتكاب القتل والاغتصاب ، للحفاظ على مصالحهم ، ويتحالفون مع أعداء الأمة ، لوأد المسلمين في ديارهم ، فماذا ينتظر المسلمون ، ولماذا هذا البرود المخيف ، والصمت المطبق عما يجري في بلاد المسلمين إن الأخبار والصور التي تعرض على أمتنا ، التي كانت معروفة بالنخوة والمروءة والانتصار للمظلوم ، لم تحرّك ساكنا ، فهل تودّع منها وماذا لو كان مرتكبو المذابح مسلمين ، تصوروا كيف يكون رد الغرب ، بل وللأسف رد حكومات عالمنا المنكوب ، ترى هل سيبقى المسلمون متفرجين على احتلال أوطانهم ، واستئصال دينهم ، وانتهاك أعراضهم وتلطيخ شرفهم ، أما آن لهم تقديم المساعدة اللازمة للمحاصرين والمهددين بالتهجير أو الإبادة ، ليدافعوا عن دينهم ووجودهم ، ورغم التآمر والتقصير ، فلا نخاف على حلب بإذن الله تعالى لأن الرجال في حلب سيدافعون عن شرفهم وكرامتهم وتاريخهم ومدينتهم، وسيدفع المهاجمون دماء كثيرة على أبواب حلب، وقد بدأ الدفع فعلاً. ستستنزفهم حلب في معركة طويلة ، قد تطال أنحاء أخرى من سوريا وغير سوريا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *