أخرج الترمذي في الزهد بإسنادٍ صحيح عن رجل من أهل المدينة قال : كتب معاوية رضي الله عنه إلى عائشة رضي الله عنها أن اكتبي لي كتابا توصيني فيه ولا تكثري علي ، فبعثت عائشة رضي الله عنها إلى معاوية : سلام الله عليك أما بعد فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤونة الناس-أي شر الناس وأذاهم- ومن التمس رضا الناس- أي طلب – بسخط الله وكله الله إلى الناس) ذكر الحديث طريقين لا ثالث لهما . طريق من التمس رضا الله تعالى ولو سخط عليه الناس ، وهو طريق ينبع من توحيد العبد لربه عز وجل ، إذ ليس للإنسان أن يتوجه إلا لله فلا يخاف إلا إياه ، ولا يرجو سواه ، ولا ينطلق في حياته إلا طلبا لرضاه في كل حركاته وسكناته في كل معاشراته ومعاملاته فينفذ ما أمر الله تعالى به ولا يلتفت في ذلك لمدح مادح أو ذم ذام ، ولا يضع في نفسه وهو يرضي الله عز وجل أدنى حساب لسخط أحد من الخلق أو رضاه مهما كلفه ذلك . وطريق من لم تخلص نفسه لله عز وجل ، وهو طريق ضعاف الإيمان ومن اهتزت عقيدتهم فهو يبحث عما يرضي الناس ويفعله ، وعما يعرضه لسخطهم فيتركه ، ولو كان ذلك على حساب دينه ، ولو كان في ذلك ما يسخط ربه عز وجل لأن المهم عنده ألا يخسر الناس وألا يكون في موضع نقمتهم وغضبهم . وهنا مكمن الداء لأن الإنسان لابد له أن يتعامل مع الناس ويعيش بينهم ولكنه يعيش بمنهج الإسلام موحدا لله عز وجل مطبقا لحدوده فكثيرا من الناس حوله ينحرفون ويفجرون ويظلمون ويتعدون حدود الله تعالى ، وعليه أن ينكر ذلك وأن يحارب تلك المنكرات والمخالفات حتى لو تعرَّض للضغوط وطلب منه أن يسكت أو يوافقهم على انحرافهم كما هو حال المسلم الذي يعيش في المجتمعات المنحرفة وبين الضالين الظلمة والأسر الغافلة ، يسعى بينهم فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويجاهد لإقامة منهج الله في الحياة فيتعرض للمضايقة والمطاردة بجريمة الإنكار على ما اعتادوه من المنكرات ، ويواجه الاستهزاء والتهديد أو التعذيب أو السجن أو المحاربة في الرزق ، وهنا يقف المسلم ممتحنا أمام الطريقين اللذين لا ثالث لهما إما أن يرضي الله عز وجل ولا يبالي بسخط الناس وأذاهم ، فيسير مستقيما لا يميد ولا يحيد ، وإما أن يرضي الناس فيوافقهم على انحرافهم وضلالهم ويتميع معهم ليتجنب بطشهم أو سخطهم فيسخط الله سبحانه والمسلم الحق عندما تظهر المنكرات ويعم الفساد والطغيان يجب عليه الإنكار والتغيير وبيان الحق للناس لأنه لا يفكر إلا فيما يرضي الله عز وجل فيحارب الباطل ويفضح الظالم وأقل درجات إنكار المنكر الإنكار بالقلب ، وليس وراء ذلك إيمان جاء في الحديث ( فمن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ) .
ومن الناس من يسير في ركاب الظالمين فيرضيهم طمعا بما عندهم أو خوفا من بطشهم ونقمتهم ، فلا يأمر ولا ينهى يبيع دينه بعرضٍ من الدنيا ، وكم سمعنا من فتاوى لعلماء في وسائل الإعلام من صحف ومجلات وإذاعات عندما يسألون عن أمور قد تخفى على كثير من الناس كحكم فوائد البنوك وشهادات الاستثمار وتلك القوانين الوضعية التي يُكَبّلُ بها المسلمون أو تلك الموالاة الصريحة لليهود والنصارى فتجدهم يداهنون ويدورون في فتواهم حول الحق ، بل قد تجد الفتوى الواحدة في المسألة الواحدة تتغير وتتبدل إذا طلب منه ذلك وكم شاهدنا وقرأنا لمن يكتب في تحريم الربا كله عاما ثم يكتب في حله كذلك عاما آخر ورأينا من بارك الفجور وإشاعة الفاحشة بين الناس حتى لا يقال عنه متخلف أو متحجر ، وحتى لا يتهمه أرباب الصحف في مقالاتهم بأنه يعيش بعقلية القرون الوسطى . ومن الصور الخطيرة التي يقف الإنسان فيها ممتحنا إما أن يرضي الله عز وجل ، وإما أن يرضي الناس ما يحدث لبعض الدعاة عندما يتعرضون للضغوط ، فيساوموا الدعاة للتنازل عن بعض الأمور أو السكوت عنها أو إيجاد خط مودة بينهم مقابل السماح لهم ببعض الحرية . وكثيرا ما تضعف نفوس وتزل ألاقدام أمام تلك الضغوط والإغراءات ، أضف إلى ذلك ما يدب في قلوبهم من ملل بسبب طول العداء وكثرة الأذى ، فيميل البعض إلى المصالحة والمداهنة في أمور الدعوة فيقدمون رضا الناس على رضا الله عز وجل ويخطئون الطريق ، فالله عز وجل لا يرضى بالمداهنة في دينه ، ولا يرضى بأنصاف الحلول أو أن يتصافح الحق مع الباطل أبداً .
ولعل من الصور التي يقف فيها المرء ممتحنا إما أن يرضي الله عز وجل أو يرضي الناس ما يحدث للشباب عندما يُضْغَطْ عليهم بأمرٍ فيه معصية لله عز وجل أو عندما يطلب الأصدقاء من صديقهم ألا ينكر عليهم بعض المخالفات التي يرتكبونها وألا يزعجهم بنصائحه وإلا قاطعوه . إن تلك الصور وغيرها كثيرة لو تأملناها لوجدنا الناس أمامها ينقسمون إلى قسمين : قسم لا يفكر إلا في رضا الله عز وجل وقسم تضعف نفسه أمام الضغوط . وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم لنا عاقبة كل طريق ونهايته . أما الطريق الأول فقد قال صلى الله عليه وسلم : (من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤونة الناس) فبين أن الله تعالى تكفل وتعهد بحفظ من يطلب رضاه ويقدمه على رضا الناس كما قال تعالى في كتابه الكريم : ] أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من هاد ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام [ يعني أنه سبحانه وتعالى يكفي من عَبَدَه وتوكل عليه ويخوفونك بالذين من دونه يعني المشركين يخوفون الرسول صلى الله عليه وسلم ويتوعدونه بأصنامهم وآلهتهم التي يدعونها من دون الله جهلا منهم وضلالا فالله يحفظ من لجأ إلى بابه لأنه العزيز الذي لا أعز منه ولا أشد منه انتقاما . قال ابن تيمية : ” وكل من أرضى الله بسخط الناس كان قد اتقاه وكان من عباده الصالحين الذين يتولاهم الله ” . وقال ابن القيم : ” فمن هداه الله وألهمه رشده ووقاه شر نفسه امتنع عن الموافقة على فعل الحرام وصبر على عداوتهم – أي عداوة المنحرفين والظالمين من الناس – ثم تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة كما كانت الرسل وأتباعهم كالمهاجرين والأنصار ومن ابتلي من العلماء وصالحي الولاة والتجار وغيرهم” لقد كان علماء السلف الصالح يضربون الأمثلة الرائعة في الثبات أمام طغاة الناس وكان نتيجة هذا الثبات أن أكرمهم الله عز وجل بالنصر أو بالشهادة استدعى عمرو بن هبيرة والي العراق الحسن البصري والإمام الشعبي ليسأل عما يبعثه إليه الخليفة من أوامر تحتوي على ظلم هل ينفذها أم لا فسُأل عمرو الشعبي في هذا الموقف أولا ، فقال كلاما يرضي الوالي ، والحسن البصري ساكت ، فلما انتهى الشعبي من كلامه التفت عمرو بن هبيرة إلى الحسن وقال : وما تقول أنت يا أبا سعيد ، فوعظه الحسن البصري موعظة قوية أمره فيها بالمعروف ونهاه فيها عن المنكر ، ولم يداهن أو يواري فقال فيما قال : يا ابن هبيرة خف الله في يزيد ، ولا تخف يزيد في الله واعلم أن الله عز وجل يمنعك من يزيد وأن يزيد لا يمنعك من الله ، يا ابن هبيرة إنه يوشك أن ينـزل بك ملك غليظ شديد لا يعصي الله ما أمره فيزيلك عن سريرك هذا وينقلك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك حيث لا تجد هناك يزيد ، وإنما تجد عملك ، يا ابن هبيرة إنك إن تك مع الله تعالى وفي طاعته يكفك بائقة يزيد في الدنيا والآخرة ، وإن تك مع يزيد في معصيته فإن الله يكلك إلى يزيد ، واعلم يا ابن هبيرة أنه لا طاعة لمخلوق كائنا من كان في معصية الخالق عز وجل فبكى ابن هبيرة حتى بللت دموعه لحيته وأكرم الحسن البصري إكراما شديدا ولم يلتفت إلى الشعبي فلما خرج الحسن والشعبي وذهبا للمسجد واجتمع الناس ليعرفوا خبرهما التفت الشعبي للناس بعد أن تعلم درسا هاما تعلم ألا يرضي أحدا دون الله تعالى بعد ذلك قال : يا أيها الناس من استطاع منكم أن يؤثر الله عز وجل على خلقه في كل مقام فليفعل فوالذي نفسي بيده ما قال الحسن لابن هبيرة قولاً لا أجهله – يعني كنت أستطيع أن أقول مثل ما قال الحسن – ولكن أردت فيما قلت وجه ابن هبيرة ، وأراد الحسن فيما قال وجه الله ” .
ولو تأملنا موقف الدعاة أمام الضغوط والتهديدات لوجدنا إمام الدعاة صلى الله عليه وسلم قد تعرض لضغوط ومساومات عديدة ليتنازل عن بعض أمور الدعوة كما قال سبحانه : ] ودوا لو تدهن فيدهنون [ أي ود الكفار لو تدخل معهم يا محمد في مجال المساومة على الدين ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم كان حاسما في موقفه حتى وهو في أحرج الأوقات وأشد الأزمات وهو محاصر بدعوته وأصحابه يعذبون ويتعرضون للأذى لم يحاول أن يرضي الكفار ولو بكلمة واحدة تسخط الله عز وجل ، وكانت النتيجة أن فتح الله عليه ونصره وأيده وأعزه وأعز المسلمين ، ولو مال الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الكفار قليلا أو أرضاهم وهذا مجرد افتراض فقد قال الله عز وجل : ] وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذاً لأتخذوك خليلاً ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا ً[ إن الله عز وجل يصون ويرضي من يقدّم رضاه على رضا الناس وليس شرطا أن لا يؤذى أو يعذب فقد يؤذى المسلم لحكمة يعلمها الله عز وجل كأن يكون تكفيرا لسيئاته أو رفعا لدرجته أو لينال الشهادة وما أعظمها منـزلة كما في الحديث الحسن: (سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه، فقتله) . أما عاقبة من يقدم رضا الناس على رضا الله عز وجل فهي الخيبة والخسران يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس ) ومن وكله الله تعالى للناس وقع في المهالك وتخطفته الخلائق وأصابه الخذلان وتجرأ عليه كل إنسان بل أكثر من ذلك قد ينقلب الذي كان يسعى لإرضائه فيصير له عدو كما جاء في قول للسيدة عائشة رضي الله عنها : ” من أرضى الناس بسخط الله عاد حامده من الناس له ذاما “. وكما ضرب الإمام ابن القيم في ذلك مثلا برجل متدين تقي حل بين قوم فجار ظلمة لا يتمكنون من فجورهم إلا بموافقته لهم أو سكوتهم عنه فإن وافقهم أو سكت عنهم سلم من شرهم في الابتداء ثم يتسلطون عليه بالإهانة والأذى وأضعاف ما كان يخاف لو أنكر عليهم وخالفهم ، وإن سلم منهم فلابد وأن يهان ويعاقب على يد غيرهم . وقال ابن تيمية : ” والسعادة في معاملة الخلق أن تعاملهم لله فترجو الله فيهم ولا ترجوهم في الله ، وتخافه فيهم ولا تخافهم في الله ” قال تعالى ] أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين [.
