موقف الإسلام من الشائعات


يمكن أن نعرف الشائعات بأنها: “الأقوال والأحاديث والروايات التي يتناقلها الناس دون التأكد من صحتها بل دون التحقق من صدقها “.
إن الشائعات من أخطر الحروب المعنوية ، والأوبئة النفسية لأنها تستهدف عمق الإنسان وعطاءه ، وقيمه ونماءه ، بل هي من أشد الأسلحة تدميراً وأعظمها وقعاً وتأثيراً ، وهي ظاهرة اجتماعية عالمية ، لها خطورتها البالغة على المجتمعات البشرية وهي جديرة بالتشخيص والعلاج ، وحرية بالاهتمام والتصدي لاستئصالها ، والتحذير منها ، والتعاون للقضاء على أسـبابها ودوافعها ، حتى لا تقضي على الروح المعنوية في الأمة ، التي هي عماد نجاح الأفراد ، وأساس أمن المجتمعات واستقرارها .
والدارس للتاريخ الإنساني يجد أن الشائعات وجدت حيث وجد الإنسان، بل إنها عاشت وتكاثرت في أحضان كل الحضارات، ومنذ فجر التأريخ والشائعة تمثل مصدر قلق في البناء الاجتماعي، والانتماء الحضاري لكل الشعوب والبيئات، ولمّا جاء الإسلام اتخذ الموقف الحازم من الشائعات وأصحابها ، لما لنشرها وبثها من آثار سلبية على تماسك المجتمع المسلم وتلاحم أبنائه ، بل لقد عدَّ الإسلام ذلك سلوكاً منافياً للأخلاق النبيلة ، والسجايا الكريمة ، والمثل العليا التي جاءت بها وحثت عليها شريعتنا ، من الاجتماع والمحبة والمودة والإخاء، والتعاون والتراحم والتعاطف والصفاء .
وهل الشائعة إلا نزف لتلك القيم ، ومعول هدم لهذه المثل ، لذا قالوا بأن مُروِّجَ الشائعات لئيم الطبع دنيء الهمة ، مريض النفس ، منحرف الطبع ، صفيق الوجه عديم المروءة ، لا يستريح حتى يفسد ويؤذي ، لذا حذَّر الإسلام من الغيبة والنميمة والوقيعة في الأعراض ، والكذب والبهتان ، وقالة السوء بين الناس وهل الشائعة إلا كذلك ؟ وأمر بحفظ اللسان ، وبين خطورة الكلمة فأخبر الله سبحانه وتعالى أن الإنسان مسئول أمام الله عز وجل ، ومحاسب عن كل صغير وجليل قال تعالى : { ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ، ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ، إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } ، وحرم الله القذف والإفك وتوعد مروجي الإشاعات بالعذاب الأليم فقال تعالى:{ إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون } . وحث الإسلام على التثبت والتبين في نقل الأخبار قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين } وفي قراءة أخرى فتثبتوا .. والشائعات مبنية على سوء الظن بالمسلمين ،والله عز وجل يقول : { يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم } .
وأخرج الشيخان في صحيحهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ) .
كما نهى الإســلام أتباعه عن أن يطلقوا الكلام جزافا ويلغوا عقولهم عند كل شائعة ، أو ينساقوا وراء كل ناعق ويصدقوا كل دعي مارق قال صلى الله عليه وسلم : ( كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع ) مسلم . وسداً لباب الفساد أمام الوشاة ونَقَلة الشائعات ، ومنعاً لرواج الشائعات والبلاغات الكاذبة والأخبار الملفقة المكذوبة على الأبرياء الغافلين يقول صلى الله عليه وسلم: ( ألا أخبركم بشراركم ؟ قالوا بلى يا رسول الله قال : المشاؤون بالنميمة ، المفسدون بين الأحبة ) البخاري في الأدب . فكم حدثت من جناية على الأبرياء الذين لهم كفاءة في أعمالهم بسبب إشاعة أطلقها ، ذو لسان شرير ، وقلم أجير ، وكم هدمت الشائعة من وشائج ، وتسببت في جرائم ، وفككت من أواصر وعلاقات ، وحطمت من أمجاد وحضارات ، وكم دمرت من أسر وبيوتات .
فمنذ فجر التاريخ والشائعات تنشب مخالبها لاسيما في أهل الإسلام ، يروجها ضعاف النفوس ، ويتولى كبرها أعداء الإسلام ، واليهود على وجه الخصوص بغية هدم صرح الدعوة الإسلامية ، والنيل من أصحابها والتشكيك فيها ، حتى أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ، لم يسلموا من شائعاتهم ، والسيرة العطرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم نموذج حي ، لتاريخ الشائعة والموقف السـليم منها ، فقد رميت دعوته المباركة بالشائعات منذ بزوغها ، فرمي بالسحر والكذب والكهانة ، وتفنن الكفار والمنافقون الذين مردوا على النفاق في صنع الأراجيف الكاذبة والاتهامات الباطلة ضد دعوته صلى الله عليه وسلم ولعل من أشهرها قصة الإفك المبين ، تلك الحادثة التي كشفت عن شناعة الإشاعات ،وهي تتناول بيت النبوة الطاهر ، وتتعرض لعرض أكرم الخلق على الله صلى الله عليه وسلم وعرض الصديق والصديقة ، وقد شغلت هذه الشائعة المسلمين شهراً كاملاً بالمدينة ، وتولى كبرها المنافقون ، ولولا العناية الإلهية لعصفت بالمجتمع الإسلامي الناشئ في المدينة
ومن المؤلم حقاً ، أن يتلقى المسلم الإشاعات المغرضة وكأنها حقائق مسلمة قال الإمام الذهبي رحمه الله : ( لو أن كل عالم تركنا قوله لمجرد خطأ وقع فيه أو كلام الناس فيه ، ما سلم منا أحد ، ونعوذ بالله من الهوى والفظاظة )
ومن أولى الخطوات في مواجهة حرب الشائعات تربية النفوس على الخوف من الله ، والتثبت في الأمور ، فالمسلم لا ينبغي أن يكون أذناً لكل ناعق ، بل عليه التثبت والتحقق ، ليسد الطريق أمام الأدعياء ، الذين يعملون خلف الستور .
والتثبت صفة أهل اليقين من المؤمنين وبسبب هذه الصفة التي فيهم يبين الله لهم الآيات والعلامات في الأمم التي مضت حتى يستخرجوا العبر التي تقيهم مما وقع به غيرهم من غضب الله تعالى . لذلك يقول سبحانه (قد بينا الآيات لقوم يوقنون) البقرة 118. والتثبت فيه معنى التبصر والاستيضاح ، والتأكد من الأمر قبل الحكم له أو عليه وقد حث الله عباده على التخلق بهذا الخلق في قوله تعالى : ) يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ( الحجرات 6. ليؤكد لهم أن هذا أصل لا بد منه من أصول الإنكار. فإننا نسمع كثيرا عن معاصي يقترفها بعض الناس. وربما سمعنا ذلك من أناس قد التزموا اتباع السنة في مظاهرهم. وقد يكونون في بعض الأحيان من الملتزمين مع جماعة صالحة ، ونسارع في تصديقهم ، واتخاذ موقف من زيد أو عمر دون أن نتثبت . لذلك جاءت هذه الآية لتكون قاعدة من قواعد فقه الإنكار. وسبب تحذير الله المؤمنين من التسرع وتنبيههم للتثبت قبل اتخاذ الموقف. بينه سبحانه وتعالى بقوله : ) أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ( الحجرات 6. أي لئلا تصيبوا قوما من الناس الأبرياء. وأنتم تجهلون حقيقة الأمر. فتصيروا بعد ظهور براءتهم نادمين على ما ارتكبتم في حقهم وتتمنوا أن ذلك لم يقع منكم ، لأن الندم : هو الغم على وقوع شيء مع تمني عدم وقوعه . وهذا الغم الذي يصيب المؤمنين بسبب تعجلهم إنما هو نتيجة ما يأمر به الشيطان، ليجعلهم في حزن وأذى ، وليساعد على تفككهم بنشر الأحقاد فيما بينهم ، لذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( التأني من الله والعجلة من الشيطان ) أخرجه البيهقي وحسنه الألباني . قال الإمام ابن القيم : ” إنما كانت العجلة من الشيطان ، لأنها خفة وطيش وحدّة في العبد تمنعه من التثبت والوقار والحلم . وتوجب وضع الشيء في غير محله وتجلب الشرور، وهي متولدة بين خلقين مذمومين ، التفريق والاستعجال “
لقد ربى الله سبحانه أنبياءه على هذه الصفة ليكونوا قدوات يحتذي بهم ورثة الأنبياء من الدعاة من بعدهم ، ومن بين هؤلاء الرسل موسى عليه السلام في قصته مع الرجل الصالح الذي أثارته تصرفاته الغريبة ، فكانت الدهشة والاستغراب ، تحمل موسى على الإنكار والسؤال مرة بعد مرة .
مع أنه كان على موسى عليه السلام أن يتريث حتى يوضح له الخضر أسباب وحقائق ما يقوم به ، وقد حرم بسبب تسرعه علما كثيرا ) قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا (الكهف 78. فرد عليه أسباب قيامه بخرق السفينة وقتل الغلام ، وبناء الجدار ، كما جاء في سورة الكهف وعلى غير ما بدا في ظاهرها ، ليعلم الدعاة من هذه القصة دروسا في التأني والتثبت قبل الإنكار . وليعلموا أن من امتثل هذه الصفة . فكأنما حاز على جزء من النبوة يقـول النبي : صلى الله عليه وسلم( التؤدة والاقتصاد، والسمت الحسن جزء من أربعة وعشرين جزءا من النبوة ) أخرجه الطبراني والترمذي وصححه الألباني . فأين الهمم التي تتسابق لامتلاك هذه الأجزاء النبوية ؟. وقد جاءت هذه الصفة واضحة في قصة سليمان عليه السلام مع الهدهد إذ يقول سبحانه وتعالى : { وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين. لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين } النمل 20 فسليمان الملك الحازم يتهدد الجندي الغائب المخالف: ) لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه ( ولكن سليمان ليس ملكا جبارا في الأرض، إنما هو نبي ، وهو لم يسمع بعد حجة الهدهد الغائب ، فلا ينبغي أن يقضي في شأنه قضاء نهائيا قبل أن يسمع منه ، ويتبين عذره ومن ثم تبرز سمة النبي العادل: ) أو ليأتيني بسلطان مبين ( أي حجة قوية توضح عذره، وتنفي المؤاخذة عنه . وقد استنبط العلماء من القصتين أحكاما في الإنكار، والتي منها : التثبت والتروي والاستخبار قبل الإنكار .
وإذا كان الأمر بالتثبت لعامة المسلمين واجبا ففي حق العلماء أوجب لما روى البخاري فيما يرويه الرسول صلى الله عليه وسلم عن ربه ( من عادى لي وليا آذنته بالحرب..) . ذلك لما يؤثره التسرع باتهامهم من حرمان العوام من علمهم ، أو ظن السوء فيهم وربما كانوا منه براء لذلك على القائمين بأمر الإنكار أن يتثبتوا إذا سمعوا أو قرأوا ما يمس أحد العلماء وألا يخوض فيما يخوض به الآخرون ، ثم يندم إما في الدنيا إذا تبينت له الحقائق وإما بالآخرة حيث سيقف خصما لذلك العالم وهو يطلب من الله جل جلاله أن ينصفه مما اتهمه فيه من تهم باطله دون أن يتثبت وقد ركّز القرآن على ضرورة أن تتبين الأمور، وذلك بأن تبحث عن الحقيقة بنفسك، وهو ما عبّرت عنه الآية الكريمة : ) يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا ( لهذا لا بدّ أن لا نستعجل في الحكم على الناس ، فوظيفتك أن تتثبت وفي هذا يقول الإمام علي : “ولا تعجلن إلى تصديق ساعٍ فإن الساعي غاش وإن تشبّه بالناصحين” . وقد قيل: ” من ركب الْعَجَلَ أدركه الزلل ” . ‏وعن حاتم الأصم العجلة من الشيطان إلا في خمس فإنها من سنة رسول الله عليه السلام ، إطعام الضيف وتجهيز الميت ، وتزويج البكر ، وقضاء الدين ، والتوبة من الذنوب ‏,‏ وفي رواية الترمذي عن علي رضي الله تعالى عنه ثلاثة لا تؤخرها الصلاة إذا أتت ، والجنازة إذا حضرت ، والأيم إذا وجدت كفؤا ” ‏.‏ ‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *