إن الإسلام يوجهنا توجيهات عملية مفيدة في جميع شؤون الحياة بما في ذلك العلاقات الجنسية البشرية ، وقد حرّمها خارج حدود إطار عقد الزوجية ، ورتب لها عقوبة دنيوية وعقوبة أخروية ، لأن الزواج هو القناة الوحيدة التي يسمح فيها بالعلاقة الجنسية بين الجنسين . وإن السلوك الجنسي وجميع الأفعال الجنسية ومقدماتها ليست مشروعة ، إلا تحت مظلة الزواج الشرعي ، لذلك جاءت النصوص تحث على الزواج وترغب فيه ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( ثلاث حق على الله عونهم : المجاهد في سبيل الله ، والمكاتب الذي يريد الأداء ، والناكح الذي يريد العفاف ) رواه الترمذي وقال صلى الله عليه وسلم : ( من كان موسراً لأن ينكح ثم لم ينكح فليس مني ) رواه الطبراني . ويشدد الإسلام على الوقاية من الجرائم الأخلاقية ، والابتعاد عن الظروف والعوامل التي تساعد على انتشار هذه الجرائم ، وتنص الشريعة الإسلامية على عقوبات شديدة ضد جرائم الجنس ، كالزنا واللواط والاغتصاب التي يعتبرها الإسلام مخالفة لتعاليمه المتعلقة بالمجتمع والعائلة قال تعالي : { ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً } سورة الإسراء 32 . ويشدد قانون العقوبات الإسلامي ، على استقرار وأمن الحياة العائلية ، فاعتبر الزواج حجر الأساس في بناء العائلة ، وبالتالي أساس استقرار المجتمع ، فكان الزواج عقد شرعي قانوني بين الرجل والمرأة ، يتعاهدان فيه على الحياة المشتركة وفقاً لأحكام الشريعة التي يؤمنون بها .
ومن المبادئ التي قررها الإسلام ، أنه إذا حرم شيئاً حرم ما يؤدي إليه ويبعث عليه من وسائل ، كالإثارة ، والخلوة الآثمة والصورة العارية ، ومن هنا قرر الإسلام أن ” ما يؤدى إلى الحرام فهو حرام ” . ومما هو مقرر أيضاً في الإسلام حرمة النظر إلى العورات ، ولو كان من رجل إلى رجل ، أو من امرأة إلى امرأة بشهوة أو بغير شهوة ، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال : ( لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ، ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة ، ولا يُفضي الرجل إلى الرجل في الثوب الواحد ولا المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد ) مسلم وأحمد وأبو داود والترمذي . ولهذا اعتبر الإسلام مشاهدة عورات الرجال والنساء حرام ، حتى ولو كانت العورات المشاهدة صوراً في أفلام ، اللهم إلا إذا دعت هناك ضرورة طبية تفرض إطلاع الطبيب على هذه العورات للعلاج . والضرورة تقدر بقدرها . وعليه فإنه يحرم النظر إلى الأفلام الجنسية التي تعرض مناظر العورات المكشوفة ، سواء للزوج أو للزوجة ، لأن النظر إلى هذه العورات محرم شرعاً وهو انحراف عن الفطرة المستقيمة التي فطر الله الناس عليها وإن إنتاجها ما هو إلا وسيلة لتفجير الغرائز وتدمير القيم ولأن مشاهدة الأمور الإباحية تخرج الإنسان من سلامة النفس وطهارة الروح ، وتدخله في حالة من الدنس النفسي والروحي التي تؤرقه وتنغص عليه حياته وتقض مضجعه ، لأن الإنسان المسلم يعيش بذهنية وعقلية تعلي قيمة العفة عنده ، وتزدري الفحش والابتذال ، ولذلك عندما يشاهد هذه الأمور ، يحدث له ازدواجية وتناقض في نفسيته ، ومن جهة أخرى كيف يكون هذا الإنسان بين زوجته وأولاده مربياً وراعياً للفضيلة والأخلاق ، وبينه وبين نفسه إنساناً فاسقاً مشاهداً للفحش والدعارة والزنا والابتذال ، ألا يشعر في هذه الحالة بوخز الضمير ، كما يحدث لكل إنسان مقيم على معصية ، كمن يسرق ومن يشرب الخمر، ومن يسعى بالغيبة والنميمة بين الناس ، فهو يشعر ويعرف الذنب الذي اقترفه وضميره يؤنبه وهكذا يعيش في رحلة تأنيب للضمير وازدواجية في النفس والروح ، وهذه أسوأ حياة يمكن أن يحياها الإنسان . إن مشاهدة الأفلام الجنسية حرام ، لأنها من الوسائل المؤدية إلى الانحلال والفساد الأخلاقي ، كما أن الصور العارية حرام لأن فيها انتهاكاً للمحرمات ، والنظر إلى ما حرم الله . والإسلام يحارب الفساد والانحلال بمختلف ألوانه وأشكاله ، ويقطع كل الطرق التي تؤدي إليه ، ولا شك أن الأفلام الإباحية والصور العارية مظهر من مظاهر الانحلال والفساد ، وأنها من الوسائل المؤدية إليه ، لذلك لا شك في حرمة مشاهدة الأفلام الإباحية والصور الخليعة ، لأن للوسائل أحكام المقاصد كما قرر فقهاء الإسلام . قال العز بن عبد السلام :” للوسائل أحكام المقاصد فالوسيلة إلى أفضل المقاصد ، هي أفضل الوسائل ، والوسيلة إلى أرذل المقاصد هي أرذل الوسائل” . ومن المعروف عند العقلاء أن مشاهدة الأفلام الجنسية ، والصور الخليعة وسيلة من وسائل انتشار الفساد الخلقي والانحلال ، وانتشار الموبقات وقد تؤدي إلى الزنا واللواط ، وما أدى إلى الحرام فهو حرام وقد سمعنا وقرأنا عن حوادث كثيرة كان سببها مشاهدة تلك الأفلام الساقطة والصور الخليعة كالزنا واللواط وخاصة ممارسة اللواط مع الزوجات ، وغير ذلك من المفاسد الأخلاقية .
وإذا كان الرسول يحرِّم على الزوجة أن تصف لزوجها المرأة فيقول صلى الله عليه وسلم : ( لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها ) رواه البخاري . ومعنى الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم ينهى المرأة أن ترى امرأة أخرى وهي عارية ، وبعد ذلك تقوم بوصفها لزوجها فتجعله يفتتن بالمرأة الموصوفة ، ومن المعلوم أن هذا الوصف يجعل الزوج يتخيل تلك المرأة بصفاتها ، التي نُقلت إليه من زوجته ، ومع أن الأمـر يتعلق بالخيال فقط ، فقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عنه ، فما بالك بمشاهدة الأفلام الجنسيـة حيـث الصوت والصورة ، ألا يؤدي هذا إلى مفسدة أعظم من مجرد التفكير بامرأة وصفت له .
جاء في كتاب أحكام النظر للشيخ علي الحموي معلقاً على هذا الحديث ” تالله لقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في ما ذكر ، لأن الرجل الأجنبي إذا سمع وصف امرأة أجنبية ، تشكلت في قلبه ، وانطبعت في مرآة نفسه ، ويوحي الشيطان لعنه الله له عند ذلك كلاماً من غروره وأمانيه ، ويحول بينه وبين تقوى الله ومرضاته وتخطر له هنالك خواطر قبيحة ، وهواجس ذميمة ، فتارة بالزنا وتارة بالفحشاء ” . وهذا يحدث نتيجة التفكير في امرأة ، علماً بأن ما ينتج عن مشاهدة الأفلام الجنسية ، لهو أعظم وأخطر بكثير مما وصف الشيخ المذكور .
إنني لا أظن أن مسلماً تقياً يعرف مقاصد الشرع الشريف يقول بجواز ذلك ، هذا إذا أضفنا إلى ما تقدم ، أن إعداد الأفلام الجنسية والصور العارية حرام ، لأن فيها انتهاكاً للمحرمات ، والنظر إلى ما حرم الله ، كما أن نشر تلك الأفلام حرام وطبع تلك الصور حرام ، وترويج ذلك ونشره حرام أيضاً ، بل إن القضية كلها تدور ضمن دائرة التحريم . لأن هذه الأفلام القبيحة قد تحوي ممارسات لا تحل في دين الله تعالى ، كإتيان الحائض أو إتيان المرأة في دبرها ، أو غير ذلك مما يكون فاعله عرضة لسخط الله عز وجل ، وقد يحاول مدمنها أن يطبق ما يرى ، فلا ينال إلا غضب الله ونكاله ، والنظر إلى هذه الأفلام لا شك في تحريمه مطلقا على الرجال والنساء ، المتزوج منهم وغير المتزوج وهذا النظر المحرم له نتائج سيئة على الإنسان حيث أنه يضعف الإيمان ، ويقسّي القلب ، ويبعد عن الله سبحانه ، ويضعف هيبته في قلبه ، ويوهن البدن ، ويمحق بركة الرزق . ولتدمير القيم والأخلاق عند المسلمين فإن هناك أكثر من 500 قناة فضائية مابين عربية وأوربية وأمريكية وآسيوية ، تنشر انحرافاتها العقدية والأخلاقية والاجتماعية على المجتمعات الإسلامية ، بلا خصوصية ولا مراعاة لدين ولا عرف .
وإن هذا الأمر لا يلقى اهتماماً لدى المسئولين في بلاد المسلمين كاهتمام المسئولين في دول الغرب ، كالصين واليابان وكندا وبريطانيا وفرنسا وغيرها التي أصبحت تخاف على ثقافتها ومواطنيها ، من أثر الانفتاح الإعلامي الغير منضبط ، ومن ذلك ما قام به وزير الثقافة البريطاني ( كريس سميث ) من فرض الحظر على بعض القنوات التي تعرض الجنس ، حمايةً للمجتمع البريطاني ، وما صرح به رئيس وزراء كندا ( ترونو ) من خطورة تأثير الثقافة الأمريكية على الشعب الكندي .
لقد أصبحت هذه القنوات مدرسة للانحراف ، وتعليم الجريمة وتفجير الغرائز وتدمير القيم ، كما تشير بعض الدراسات والإحصائيات ، ولعل الواقع وما تشهده السجون ، خير شاهد على تلك الظواهر الخطيرة ، التي بدأت تتفشى في المجتمع .
إنّ هذه القنوات تدور في الأغلب الأعم على الجنس ، فالذي يشاهدها يكتشف أنّ موضة الجنس هي السائدة ، تقلب الريموت بين أصابعك ، فتشاهد المذيع الكبير يناقش الجنس على الهواء في أوربت . تنتقل إلي art فتجد الدكتورة تناقش الجنس تهرب إلى LBC فيصدمك الحوار المباشر حول الجنس ، بالإضافة إلى المجلات الفضائية كمجلة الستلايت والفضائية التي تقوم بالدور المساند لما تقوم به هذه القنوات الفضائية ، وذلك بنشر أدلة برامج القنوات وتذليل المصاعب الفنية فيها وقد اطلعت على استبيان يشير إلى أنّ ما نسبته 46% من أطفال الابتدائي شاهدوا لقطات جنسية حيّة من بعض الفضائيات وذلك من خلال إحدى الاستبيانات المدرسية. إن هذه القنوات هي من أخطر أنواع التدمير وإنها تصيب الأمة في مقتل وفي أعز ما تملك : في شبابها وشاباتها . ألقاه في اليمّ مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء .
إنّ آهات المجالس وأنّات البيوت ، وصيحات العقلاء لا تجدي ما لم يتخذ قرار تنفيذي لا شكلي ، يعاقب على التحلل الأخلاقي والانفلات الاجتماعي ، قبل أن تغرق السفينة . ثمّ إنّ هذه الآهات والأنّات وتلك الصيحات ، لا تجدي ما لم تتحول إلى فعل بشأن ضبط وتنظيم تلك القنوات . والمطالبة بدور فاعل لصنّاع القرار ، لاسيما وأنّ القدرة على الضبط والتنظيم مقدور عليها ، إذا صدقت النيات وبذلت الجهود والمساعي واستشعرت المسئولية العظيمة تجاه هذا المجتمع المسلم وأجياله القادمة . اللهم إن هذا إعذار وإنذار ، وصيحة ورجاء ، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن تغرق السفينة . اللهم هل بلغنا ؟ اللهم فاشهد .
موقف الإسلام من العلاقات الجنسية
