قال تعالى : ﴿ ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ﴾ البقرة . إنهم يكرهون هذا الدين ويرجون ألا تقوم له قائمة ولا يرفع له ذكر إنهم يريدون تدميره بكل الوسائل والأساليب والحيل الماكرة مهما يكن الثمن لأن غايتهم تحقيق الانتصار والغلبة على أمة محمد صلى الله عليه وسلم التي أصبحت اليوم غثاء كغثاء السيل يجرفها التيار كيف يشاء وحيث شاء كما أخبرنا بذلك صلى الله عليه وسلم ( يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها قالوا أو من قلة نحن يا رسول الله قال بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ) أي لا قيمة لكم .
هم يكرهون هذا الدين ولكنهم قد يقولون كلمة حق وينصفون هذا الدين الذي حاولوا تمزيقه من مئات السنين وإلى الآن ولكنهم إذا ما قالوا مقولتهم هذه إما يريدون بها حقا وتكون صادقة كما في بعض تصريحاتهم . أو يقولون صدقاً يريدون به باطلاً بقصد التنفير من هذه الأمة وزيادة روح الحقد والعداء على أبنائها وحملة لوائها ، وبذلك يحمل الغرب شحنة حقد وعداء على الإسلام والمسلمين ، فهناك تصريحات اعترفت بعظمة دين الإسلام وبعظمة رسوله وصدقه وقيادته للبشرية حيث إنهم صرحوا بأنه القائد الأوحد العظيم الذي لو بعث في هذا القرن ، قرن الظلم والفساد والطغيان والجور بكافة صوره والإستبداد والنظم الدكتاتورية والعلمانية . لو ظهر محمد صلوات الله وسلامه عليه لقاد البشرية وحل مشاكلها العويصة ووصل بالبشرية إلى بر الأمان .
إنه لمن المدهش أن نرى كثيراً من كبار المفكرين من غير المسلمين قد وضعوا محمداً صلى الله عليه وسلم في أعظم مكانة معترفين بأنه الأعظم . فهذا ميشيل هارت يقول عن سبب اعتبار محمد صلى الله عليه وسلم من أعظم العظماء في التاريخ بأن الامتزاج بين الدين والدنيا الذي ليس له نظير هو الذي جعلني أؤمن بأن محمد صلى الله عليه وسلم هو أعظم الشخصيات أثراً في التاريخ الإنساني كله . وقال آني بيسانت ( إنه لمن المستحيل على أي واحد يدرس حياة الترف وأخلاق وسلوك نبي العرب العظيم ، ويعرف كيف عاش وكيف هي تعاليمه ، إلا أن يحترم ويبجل هذا النبي القدير كواحد من أرفع الرسل سموا وشأنا ، ومهما تحدثت عنه فلن أوفيه حقه إنني كلما أعدت قراءة مسيرته كلما ازددت إعجاباً وازددت توقيراً لهذا المعلم العربي القدير ) فعلماؤهم وقادتهم يحذّرون من عظمة الإسلام بقصد التشهير به لخوفهم منه فهم يعرفون بأنه لو طبق لساد وحكم جميع الخلائق . وعندما يتكلمون عن عظمة الإسلام فإن ذلك نابع من خوفهم وخشيتهم على إمبراطورياتهم وعروشهم التي لو عاد الإسلام إلى القلوب لفتح عليهم بلادهم وداس على حضارتهم المادية ، وهم متأكدون إذا ما أتيحت الفرصة لأبناء الإسلام من تجميع الصفوف وتوحيد الكلمة وإعداد العدة والرجوع إلى القرآن الكريم وتطبيقه فسيسود الإسلام العالم .
وتخوفهم من الإسلام نلمسه في كتاباتهم وتصريحاتهم ، يقول القس لورانس براون وهو يبدي تخوفه من الإسلام ( كان قادتنا يخوفوننا بشعوب مختلفة لكننا لن نجد مبرراً لمثل تلك المخاوف ، كانوا يخوفوننا بالخطر اليهودي والخطر الياباني الأصفر والخطر البلشفي الشيوعي لكنه تبين أن اليهود هم أصدقاؤنا والبلاشفة الشيعيون حلفاؤنا أما اليابانيون فإن دولاً ديمقراطية كبيرة تتكفل بمقاومتهم ، لكننا وجدنا أن الخطر الحقيقي علينا موجود في الإسلام وفي قدراته على التوسع والإخضاع وفي حيويته المذهلة ) . نعم إن الإسلام إذا دخل القلوب جمع الشتات ووحد الصفوف وساد العالم وحتماً سيسود ، لأنه دين ودولة وهم يفهمون ذلك جيداً ويحذرون منه خشية أن يؤرق مضاجعهم ، وينغص عليهم نومهم ، ويبعث إليهم من جديد ، وتعود الأندلس الغائبة وتفتح روما والقسطنطينية وتبدد أحلام السلاطين والقياصرة .
إننا نجد أن كل قوى الشيطان والبغي والعدوان ، تجتمع لمقاومة هذا الدين في كل مكان حتى لا يسود العالم من جديد فهم وإن كانوا فيما بينهم أعداء ، لكنهم أصدقاء متكاتفين في مواجهة هذا الخطر عليهم الكامن في الإسلام والقرآن ، الذي إن طبقت حدوده وأقيمت دولته ، لتأثر الغرب الكافر وهزت عروشه فقد قالوا قولتهم الشهيرة عن القرآن التي يستشف منها مدى الحقد الدفين على الإسلام . قال المستشرق جلاد ستون ( مادام هذا القرآن موجوداً في أيدي المسلمين فلا تستطيع أوربا السيطرة على الشرق ولا أن تكون هي نفسها في أمان ) . هذا محور تفكيرهم اللهم إجعل كيدهم في نحورهم واجعل تخطيطهم تدميرهم . وقال رئيس البرلمان الانجليزي ( إذا أردتم أن تسودوا العالم فعليكم بهذا ( وهو يمسك المصحف بيده ) فثار الناس ظناً منهم أنه يقصد إتباعه فقال : يا أيها الحمقى لا أقول عليكم بهذا فاتبعوه ولكن عليكم بهذا فانزعوه من قلوب الرجال ) . وقد تآمروا على القرآن الكريم فابعدوا الناس عنه ، كما قال أحد المبشرين بالحرف الواحد ( نحن لا نريد المسلمين أن يكونوا نصارى فإن في هذا عزاً لهم ، ولكن نريدهم أن يكونوا مذبذبين لا إلى هولاء ولا إلى هولاء أي لا بالإسلام يدينون ولا إلى النصارى ينتمون ولكنهم أجساد بلا قلوب .
إن المبشرين الذين يجوبون في أنحاء العالم اليوم بما لديهم من إمكانيات مادية هائلة هدفهم تحويل المسلمين عن دينهم وزعزعة عقيدتهم وإثارة الشبهات والشكوك والدعوة إلى العقائد الباطلة التي تفسد على المسلمين دينهم وعقائدهم
لقد أصبح من بين المسلمين فريقاً يتكلمون بألسنة هؤلاء المستشرقين لأنهم صُنِعوا على أيديهم وتتلمذوا عليهم ونهلوا من نهلهم الملئ بالحقد على القرآن والسنة ، ويلاحظ أن ما يصنعه هؤلاء الداعين إلى الضلال من بين المسلمين أخطر على المسلمين من المبشرين والنصارى لأن المبشرين النصارى معروفين ، أما الذين يتظاهرون بالإسلام والدفاع عنه فلا يستطيع كشفهم وكشف زيفهم وضلالهم إلا ذوى الألباب والعقول السليمة وأرباب العلم من المسلمين ، وقد تابع كثير منهم النصارى ورضى بما أثاروه من شبهات حول الإسلام ودخلوا وراءهم كل طريق انحراف وزيغ حتى أصبح الجميع في الهاوية فلا تخرج موضة في الغرب الكافر إلا وأصبحت صيحة في بلاد المسلمين وبدلاً من متابعتهم في العلم والتكنولوجيا لنكون مثلهم ، استوردنا الرذيلة والفساد والانحلال والخلاعة وتركنا لهم العلم فهل نستيقظ ونفيق من الغفلة والسبات العميق ، إن جرائمهم في حق العرب والمسلمين لا تنتهي، وإن عدوانهم الذي نرى ونسمع ليدل على نزعتهم الإجرامية الشيطانية الشريرة التي لا ترتوي ولا تشبع من الدماء والدمار والأموال؟ ويحاول قادتهم خداع المسلمين والعرب بأنهم لا يكنان أية عداوة للإسلام ويقولون بأن الإسلام دين سلام . يقصدون بذلك أن يصير الإسلام دينا مدجَّنا لا يرفع أبدا سلاحا ضدهم ، في الوقت الذي يعملون على تدميره والقضاء عليه نصرًا للصهاينة حتى يعود المسيح (حسب عقيدتهم ) إلى الأرض فيحكم العالم لمدة ألف سنة سعيدة ثم تقوم القيامة . ومن أجل هذه الغاية يتحتم عليهم أن يسرّعوا من وتيرة الأحداث ليقضوا على العرب والمسلمين بالسلاح النووي أو ينصّروهم كي يتم وعد الله طبقا لما جاء في نبوءة دانيال ورؤيا يوحنا حسب فهمهم وتأويلهم ، والعمل على الوقيعة بين الجماعات الجهادية التي تقف في طريق المشروع الصهيوني المسيحي وبين سائر المسلمين ، متهمين تلك الجماعات بأنها خارجة عن الخط الإسلامي المعتدل . يقصدون المسلمين الساكتين الذين لا يسببون لهم أية متاعب ، لينفذوا خططهم في سلاسة وسهولة لذا لا يتورعون عن ممارسة أي دور يتيح لهم إفناء الآخر كلما واتتهم الفرصة.
يقول د. فيكتور سحّاب في عرضه لكتاب: “الأصولية الإنجيلية” للصحفي اللبناني المعروف محمد السماك: “في الولايات المتحدة الأمريكية كنائس إنجيلية مسيحية هي أقرب إلى الصهيونية ، وإن هذه الكنائس تمتلك محطات تلفزة تبشيرية لبث تعاليمها وإن معظم زعماء هذه الكنائس التي اصْطُلِح على تسميتها بــ”المسيحية الصهيونية” يؤمنون ويبشّرون بفكرة “هَرْمَجِدّون”، وهي فكرةٌ مؤسَّسةٌ على نص لا مثيل له يرِدُ مرة واحدة في إنجيل يوحنا… وبناءً على تفسير هؤلاء فإن النص المذكور هو نبوءة تؤكد أن حربًا نوويةً ستقع على أرض فلسطين في سهل مجدّو جنوب شرق حيفا، وإن هذه الحرب النووية ستحرق مئات الملايين من جنود العرب والاتحاد السوفياتي وأوروبا الموحّدة وستكون انتصارًا للمسيح العائد الذي سينقذ من بَقِيَ من يهود ومسيحيين متجدّدين ويقيم مملكةً على الأرض فيعمّ السلام ألف عام “. يتضح من هذا أن معتقدات الكنائس المسيحية الصهيونية مؤسسة على هلوسات متطرفة وأنها فقدت الكثير من وسائل إقناعها على أي حال حين زال الاتحاد السوفياتي ، وهو الذي كان في عقيدة هذه الكنائس مملكة الشيطان المتجسدة في هذا العالم . وإذا اكتفينا من عناوين خطورة التيار المسيحي الصهيوني بأن هذا التيار يعمل الآن بدأبٍ وجِدٍٍّ لهدم المسجد الأقصى ، وإعادة بناء هيكل سليمان مكانه ، فحسبُنا هذا لنُدرك أن الهلوسات إذا أُهمِلت يمكنها أن تصبح حقيقة واقعة بقوة المال والسلاح والتآمر… وقد صدف… أن الأوروبيين اكتشفوا القارة الجديدة “أمريكا” وأخذوا يستعمرونها، وكانوا بحاجة إلى عقيدة تضفي على هذا الاستعمار الصفة الشرعية، فكانت نظرية “أرض الميعاد” هي العقيدة المنشودة التي أباحت لجحافل الأنجلوساكسون والجرمانيين أن يستوطنوا أمريكا ويبيدوا الهنود الحمر تقريباً الذين هم شعبها وحضارتها ، وضميرهم مطمئن إلى صواب فعلتهم . فأي شرعية يمكن أن تسمو على شرعية وعد صريح من الله أن يهب شعبه المختار تلك الأرض الجديدة؟ ولقد لاحظ الدكتور سميح فرسون ، الباحث الفلسطيني في الجامعة الأمريكية في واشنطن بحصافةٍ ، أن كلا من المجتمع الأمريكي والمجتمع الإسرائيلي والمجتمع الأبيض في جنوبي أفريقيا ، استخدم ذريعة أرض الميعاد في إضفاء صفة شرعية على اغتصاب أرض الغير . ولم يكن غريبا إذن أن ألمانيا لُوثَر صعّدت مسارها المسيحي التوراتي إلى ذروة بلغت إلى التسبّب عمدًا أو عفوًا في تهجير اليهود الأوروبيين إلى فلسطين ولم يكن غريبا أن تتسلّم الولايات المتحدة مهمة رعاية الدولة اليهودية بالمساعدات العسكرية والمالية السخية ، التي ما كان يمكن لإسرائيل أن تبقى لولاها ، ولم يكن غريبا ذلك التحالف “الإستراتيجي” بين بريتوريا وتل أبيب. ذلك أن يهْوَه في توراته أباح إبادة الكنعانيين لأخذ أرضهم ونسائهم وأبنائهم ، فلماذا يكون الهنود الحمر والزنوج والفلسطينيون أفضل مصيرا؟” وقد تم تعريف “الصهيونية المسيحية” على أنها “الدعم المسيحي للصهيونية”. وقد قيل أيضا إنها “حركة قومية تعمل من أجل عودة الشعب اليهودي إلى فلسطين ، وسيادة اليهود على الأرض”. ويعتبر الصهيونيون المسيحيون أنفسهم كمدافعين عن الشعب اليهودي، وخاصة “دولة اسرائيل”. ويتضمن هذا الدعم معارضة كل من ينتقد أو يعادى “إسرائيل”. . ولا بد أن أشير في هذا السياق إلى أن هذه الرُّؤَى والنبوءات وما صاحبها من تفسيرات ، لها تأثير كبير على السياسة الدولية ، وصارت هي المحرك الأساس لها باعتبارها المعتقد الخاص للشعب الأمريكي ، وهي بذلك ليست منفصلة عن الواقع السياسي في المنطقة وقضاياها. بل إن تأثير هذه التيارات الدينية وأفكارها الأصولية في العلاقة مع الغرب أمر لم يعد بالإمكان تجاهله خاصة أن هذا التيار قد بدأ فعلاً في نقل معتقداته من حيز الإيمان إلى حيز الفعل والتنفيذ . تلك هي الأبعاد الحقيقية للمواجهات والسياسات من أجل السيطرة على مواقع عديدة في العالم لتؤكد مدى سيطرة البعد الديني على خريطة الأحداث الدولية ، لقد قالوا وما زالوا بأن صراع الغرب بعد سقوط الشيوعية سيكون ضد الإسلام . وعبر السيناتور داني كويل نائب الرئيس الأمريكي الأسبق عن ذلك بجلاء في الكلمة التي ألقاها كويل في مايو ١٩٩٠ أمام خريجي الأكاديمية العسكرية الأمريكية واعتبر فيها أن العدو الوحيد المتبقي في وجه الغرب هو الإسلام ، ثم صنف الإسلام علي أنه أيديولوجيا معادياً للغرب الليبرالي ويشكل التهديد نفسه الذي كانت تمثله النازية والشيوعية ، فقد قال: ” لقد أخذتنا الدهشة من هذا القرن المنصرم ببروز الشيوعية والنازية والأصولية الإسلامية”.
إن هذه الصورة المنطبعة في الذهن الغربي عن العرب والإسلام ليست وليدة السنوات الأخيرة ، بل تضرب بجذورها في عمق تاريخي بعيد ، وإن هذا التصور العدائي والمتحامل لا يمكن رده إلى الأفراد بل إلي المنظومة الحضارية الغربية برُمّتها في جوانبها السياسية والاجتماعية والإعلامية ، والتي وجدت من سلوك بعض المتطرفين مبررا لمواصلة التمسك بهذه التصورات. ولكن الله لهم بالمرصاد ، وإن نصره لآت مهما طال الزمن ، ولن يطول على الأقل بحساب التاريخ! إنه قانون إلهى لا يتخلف والمهم أن ينبض في قلوب المظلومين عِرْق الكرامة والإباء وألا يأخذهم الخوف أطول من ذلك ، فقد أَمْلَوْا لأعدائهم في حبال الظلم بسكوتهم ، وآن لهذه الحبال أن تنفصم إلى غير رجعة ويكذب من يوهم الناس أنهم قوةٌ لا تقهر ، وهل يمكن أن يأخذ الله الكريم الرحيم العادل جانب الأعداء في عدوانهم الهمجي على المستضعفين الذين لم يراعوا فيهم إلاًّ ولا ذمة في يوم من الأيام لا يعقل ذلك إن وجدت الطائفة المؤمنة وهو القائل : ﴿ وإن جندنا لهم الغالبون ﴾ .
