الفهم هو من توفيق الله عز وجل لعبده ، وهو نور يميّز به الفاسد من الصحيح والحق من الباطل والغي من الرشاد بل هو معرفة الشيء وتصوره من اللفظ والعلم به . في عهد داود وسليمان عليهما السلام « خَرَجَتِ امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا صَبِيَّانِ لَهُمَا فَعَدَا الذِّئْبُ عَلَى إِحْدَاهُمَا فَأَخَذَ وَلَدَهَا فَأَصْبَحَتَا تَخْتَصِمَانِ فِي الصَّبِي الْبَاقِي إِلَى دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى مِنْهُمَا فَمَرَّتَا عَلَى سُلَيْمَانَ فَقَالَ كَيْفَ أَمْرُكُمَا فَقَصَّتَا عَلَيْهِ فَقَالَ ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّ الْغُلاَمَ بَيْنَهُمَا. فَقَالَتِ الصُّغْرَى أَتَشُقُّهُ قَالَ نَعَمْ. فَقَالَتْ لاَ تَفْعَلْ حَظِّي مِنْهُ لَهَا. قَالَ. هُوَ ابْنُكِ. فَقَضَى بِهِ لَهَا ». قال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ فخصّه الله -عز وجل- بفهم هذه القضية وأثنى عليه . إن صحة الفهم وحُسن القصد من أعظم النعم التي أنعم الله بها على عباده ، بل ما أُعطى عبدٌ عطاءً بعد الإسلام أفضل ولا أجل من حسن الفهم ، به يأمنُ العبد طريق المغضوب عليهم الذين فسد قصدهم، وطريق الضالين الذين فَسدت فهومهم، ويصير من المنعم عليهم الذين حَسُنَت أفهامهم ، وهم أهل الصراط المستقيم ، وصحة الفهم نور يقذفه الله في قلب العبد يميز به بين الصحيح والفاسد ، والحق والباطل ، كما أنه يعين على سلامة العمل , وحسن التطبيق , ويقي صاحبه من العثرات .
قال عمر بن عبد العزيز : ” من عمل على غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح ” ، هناك أناسٌ لا يعرفون في التعامل مع المسلم المؤمن إلا بسوء الظن والتأويل السيء والفهم المعوج علماً بأن الإسلام قد قطع هذا الطريق المفضي إلى الفساد؛ بتحريم الظن السيء، واجتنابه؛ في قوله تعالى :﴿ اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ﴾ . وذلك لصيانة أعراض الناس والمحافظة على حرماتهم وسمعتهم وكرامتهم ، وذلك من فرائض الإسلام ، وواجباته الأساسية حتى تقوى صلات الأفراد، وينتفي كل ما يزرع في النفوس العداوة، والبغضاء ، فلا يحل لأحد منهم أن يتهم غيره بفحش ، أو ينسب إليه الفجور، أو يسند إليه الإخلال بالواجب ، أو النقص في الدين أو المروءة ، أو أي فعل من شأنه أن ينقص من قدره أو يحط من مكانته فأمر الله تعالى بالتثبت؛ ونهى عن تصديق الوهم، والأخذ بالظن؛ فقال تعالى: { ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً } أي لا تقل إني سمعت والحال أنك لا تسمع، ولا رأيت والحال أنك لم تر ، ولا علمت والحال إنك لم تعلم ؛ ولا تتبع الظن في أي قضية من القضايا؛ فتصدق ما لا يتفق مع الواقع، ولا مع العلم الصحيح، لأنك مسؤول أمام الله تعالى عن ذلك كله . هناك أشخاص لا يعرف في حياته حسن الظن وحسن الفهم مع الناس ، فحرم هذه الخصلة الطيبة والأدب السوي الجميل، الذي يقود صاحبه إلى قبول الحق ورفض الباطل ، إنها علامة على رجاحة العقلِ ووفور العلمِ ، فيا من تتهم غيرك دون تفهم وتثبت ، اسمع يحيى بن خالد بن جعفر وهو يوصينا بحسن الفهم لما نقرأ ونسمع فقال: ” لا ترد على أحد جوابا حتى تفهم كلامه، فإن ذلك يصرفك عن جواب كلامه إلى غيره، ويؤكد الجهل عليك، ولكن افهم عنه، فإذا فهمته فأجبه ولا تعجل بالجواب قبل الاستفهام ، ولا تستح أن تستفهم إذا لم تفهم ، فإن الجواب قبل الفهم حمق، وإذا جهلت فاسأل فيبدو لك، واستفهامك أجمل بك، وخير من السكوت على العي ” . وعند صدور قول أو فعل يسبب لك ضيقًا أو حزنًا حاول التماس الأعذار واستحضر حال الصالحين الذين كانوا يحسنون الظن ويلتمسون المعاذير حتى قال الإمام الشافعي: التمس لأخيك سبعين عذراً. وقال ابن سيرين رحمه الله: ” إذا بلغك عن أخيك شيء فالتمس له عذرًا فإن لم تجد فقل: لعل له عذرًا لا أعرفه “.إنك حين تجتهد في التماس الأعذار ستريح نفسك من عناء الظن السيئ وستتجنب الإكثار من اللوم لإخوانك ولله در القائل :
تأن ولا تعجل بلومك صاحبًا لعل له عذرًا وأنت تلوم
هناك أشخاص يسري في دمائهم وعروقهم سوء الظن وعدم التماس الأعذار والفهم السيئ والتأويل السيئ وهناك أشخاص لا يرتاح لهم بال إلا وهم يطعنون في الغير ، متناسين أن من فضح مسلما فضحه الله يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة ، فكيف بمن يكذب ويعتمد على كلام الغير في الطعن والاستطالة في عرض المسلم الذي حرّمه الله تعالى فقال :﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَ إِثْمًا مُبِينًا﴾ الأحزاب 58 . أما كيف نتعامل مع من لا نصيب له في الفهم ، ومن لا موجِّه له ولا مرشد ولا واعظ له من ذاته ، يعظه ويحبسه عن ظلم الناس ، يعتمد على رأيه فيزل ، أو يعتمد على عقله فيضل ، أو يعتمد على آراء شاذة وعقول غير رشيدة، علمها بالدين قليل، أو فهمها للدين عليل فتتعامل بشكل غير صحيح مع النصوص القرآنية والنبوية العامة والخاصة في هذا المقام ، وذلك بوضعها في غير موضعها والاستشهاد بها في غير محلها .
إن سوء الفهم عن الله ورسوله أصل كل بدعة وضلالة نشأت في الإسلام قديما وحديثا، بل هو أصل كل الأخطاء في الأصول والفروع ؛ ولأهمية الفهم وفضله فقد بوب الإمام البخاري في كتاب العلم بابا بعنوان “باب الفهم في العلم”، روى فيه حديثاً عن معاوية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله : “أي يفهِّمه”، ثم قال : “ومفهوم الحديث أن من لم يتفقه في الدين، أي يتعلم قواعد الإسلام وما يتصل بها من الفروع، فقد حُرم من الخير كله”. وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الفهم والمعرفة للأمور وحسن الإدراك والتبصر بالمقاصد والتقدير للعواقب، مناط خيرية الإنسان عند الله ، وكان من دعائه المأثور واللافت لعبد الله بن عباس رضي الله عنها: (اللَّهُمَّ فَقِّهُّ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ) . فكان ابن عباس ببركة هذا الدعاء، حبر الأمة وعالمها وأحد منارات فقه الصحابة العظيم . إن من المؤلـم والمحزن حقاً أن الدراسات الفقهية والشرعية بشكل عام تعاني، لأنها تُخَرِّج حفظة وحملة فقـه في الأعم الغالب ولا تُخرج فقهاء وتُخرج نقلة يُمارسون عملية التفريغ والتلقين ، ولا تخرج مفكرين ومجتهدين يربون العقل ويُنمون التفكير ، والناظر إلى الكثير من رسائل وبحوث الماجستير والدكتوراه في الجامعات الشرعية الإسلامية بشكل عام يَجدُ أطناناً من الوَرق يَعْظُم كَمها ويتضاءل كيفها، لم تُحرك ساكناً ،ولم تحقق رؤية تغير من واقـع الأمة .
إن أزمة المسلمين الأولى في هذا العصر هي أزمة فكر وأوضح ما تتمثل فيه أزمة الفكر هي أزمة فهم القرآن الكريم والسنة النبوية والتعامل معهما ، وأزمة الفهم السوي للقرآن بحسن تفسيره الذي يُبين مقاصده ، ويُوضح معانية ، وعدم إغفال التفريق بين الحقيقة والمجاز في السنة النبوية الذي يوقع في كثير من الخطأ ، كما هو عند الذين يسارعون إلى الفتوى في عصرنا، فيحرِّمون ويوجبون ويبدِّعون ويُفسّقون، وربما يُكفّرون بنصوص إن سُلِّم بصحتها، لم يُسلَّم بصراحة دلالتها ، مثال ذلك : حديث ( لأَنْ يُطَعَنْ أَحَدُكم بِمخيَط من حديدٍ خيرٌ له أن يَمسَ امرأةً لا تَحلُ له ) فإذا سلمنا بصحة الحديث أو تحسينه، إلا أن الحديث ليس نصاً في تحريم المصافحة ، لأن المس في لغة القرآن والسنة لا يعني مجرد اتصال البَشرة بالبَشرة ، إنما معنى المس هنا ما دل عليه قول ترجمان القرآن ابن عباس رضي الله عنهما : أن المس واللمس والملامسة في القرآن كناية عن الجماع فإن الله حيي كريم يُكنِّي عما شاء بما شاء .
بل إن من أعظم أسباب الانحراف في فهم القرآن الكريم والسنة هو وضع النصوص في غير موضعها الصحيح والاستدلال بها على غير ما سيقت له ، ومنشأ ذلك هو إتباع النص المتشابه وترك النص المحكم وما يدفع إلى ذلك زيغ القلوب وإتباع الهوى ، فكثيراً ما يكون النص صحيحاً لا مَطعن فيه ولا خلاف على ثبوته ، فهو أية من كتاب الله ، أو سنة قولية أو عملية أو تقريرية، ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن العيب في الاحتجاج بهذا النص على أمر معين ، وهو لا يدل عليه لأنه سيق مساقاً آخر، وقد يأتي ذلك كله من الخلل في الفكر وسوء الفهم للنص وذلك نتيجة العجلة التي نراها ونلمسها عند السطحيين من الناس، الذين يتخرصون على النصوص بغير بينه ويتطاولون بغير سلطان آتاهم ، ويقولون على الله ما لا يعلمون ، وقد يكون ذلك من الخلل في الضمير وفساد النية ، حيث يَعمد بعضُ الناس إلى ليِّ أعناق النصوص لتوافق هواه ، بمعنى أن يُفسرها تفسيراً يُخرجها عما أراد الله تعالى ورسوله بها إلى معنى أخر يريدها المؤولون بها وقد تكون هذه المعاني صحيحة في نفسها ولكن هذه النصوص لا تدل عليها، وقد تكون المعاني فاسدة في ذاتها وأيضاً لا تدل النصوص عليها فيكون الفساد في الدليل والمدلول معاً .
ومن مظاهر أزمة الفهم، التشديد والتعسير، الذي من شأنه أن يُنفِّر الناس من الدين، وأن يَجلب على الإسلام مفاسد كثيرة ، كما يُضيع عليه وعلى أمته مصالح كثيرة. ومن مظاهر هذا التشديد: إغفال الرخص مع مسيس الحاجة إليها، والتوسع في مفهوم البدعة، والتوسع في التحريم والإيجاب . وما كان اختلاف الفقهاء لتحقيق رغبات شخصية أو منافع مادية وإنما كان ناشئا عن دليل استند إليه كل منهم فيما ذهب إليه أو بناء علي فهم معين اقتنع به كل منهم واعتمد عليه ما دام هذا الفهم لا يتعارض مع كتاب الله تعالي وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وما اجتمعت عليه الآمة ، وهذا ما يلاحظه كل قارئ لأسباب اختلافهم
نعمة صحة الفهم
