نكران الجميل وأكل الحقوق


إن الدين الإسلامي يحثّ على مكارم الأخلاق ويدعو إليها ؛ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مكارم الأخلاق ) رواه البخاري في الأدب المفرد وأخرجه أحمد . ومن حسن أخلاق المسلم حفظ المعروف ، ورد الجميل ، ومقابلة الإحسان بالإحسان ، قال تعالى : ﴿ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ﴾القصص 771 ويحذِّر من نكران الجميل وقلة الوفاء ، التي نهى الشرع عنها ، وحذر منها ، لأنها سبب من أسباب العقوبات ، وزوال النعم ، وعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (لاَ يَشْكُرُ اللهَ مَنْ لاَ يَشْكُرُ النَّاسَ ) . أخرجه أحمد والبُخاري في الأدب المفرد وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( مَنْ سَأَلَكُمْ بِاللَّهِ فَأَعْطُوهُ وَمَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ وَمَنْ أَهْدَى لَكُمْ فَكَافِئُوهُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُوهُ فَادْعُوا لَهُ ) أخْرَجَهُ أحمد والبُخَارِي في الأدب المفرد . وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:” إن النعمة موصولة بالشكر، والشكر يتعلق بالمزيد، وهما مقرونان ، فلن ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع الشكر من العبد ” وقال الشاعر :
ومن يسدِ معروفًا إليك فكن له شكورًا يكن معروفه غيرَ ضائع
ولا تبخلنّ بالشكر والقَرض فاجزه تكن خير مصنوع إليه وصانع
يعني أن من كان من طبيعته وخلقه عدم شكر الناس ، على معروفهم وإحسانهم إليه ، فإنه لا يشكر الله؛ لسوء تصرفه ، لإنه في الغالب لا يشكر الله في مثل هذه الحال ، لذا يجب على المؤمن أن يشكر الله سبحانه وتعالى على ما أحسن إليه ، وأن يشكر الناس على معروفهم وإحسانهم إليه، والله يحب من عباده أن يشكروا من أحسن إليهم، وأن يقابلوا المعروف بالمعروف، فلا يستغني الناس عن بعضهم البعض ، في هذه الحياة ، ولا يستطيع أيّ إنسان أن يعيش بمعزل عن الناس ، لذا ينبغي على المؤمن ، أن يقابل من أحسن إليه بالإحسان، وأن يثني عليه خيراً ، عن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مَنْ أُعْطِيَ عَطَاءً فَوَجَدَ-سعة مالية- فَلْيَجْزِ بِهِ- فليكافئ بالعطاء- فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُثْنِ بِهِ- فليمدحه أو فليدْعُ له- فَمَنْ أَثْنَى بِهِ فَقَدْ شَكرَهُ- أي جازاه- وَمَنْ كَتَمَهُ- أي النعمة بعدم المكافأة بالعطاء أو المجازاة بالثناء- فَقَدْ كَفَرَهُ ) أَبُو دَاوُدَ. إن نكران الجميل من أقبح الصفات الإنسانية وأرذلها ، لما تمثله من صفات سيئة ، من اتصف بها فهو لئيم جاحد لصنائع المعروف والإحسان ، ومن هنا ، فإن النفس التي تنكر الجميل والإحسان إليها وتتناساه ، نفس لئيمة، وقد صدق من قال” الكريم شكور أو مشكور واللئيم كفور أو مكفور” وإذا كان المعروف صدقة ،كما قال صلى الله عليه وسلم : ( كل معروف صدقة ) فكيف بنا بشكر المعروف ورده وشكر الناس، ما أعظم هذا التوجية النبوي برد المعروف والجميل ، والفضل إلى أهله، ومقابلة الاحسان بمثله ، وعدم نكرانه ، في زمن يجد الكثيرون النكران ممن يحسنون إليهم ، حتى أصبح الناس في تناكر وتخاصم وتقاطع وتهاجر ، بسبب نكران الجميل ، وعدم رد الإحسان إلى من أحسن ، مخالفين الهدي النبوي بالعرفان بالجميل والذكر الحسن ، ولو بكلمة طيبة ،فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من أتى إليكم معروفاً فكافئوه-أي بالعطاء- فإن لم تجدوا فادعوا الله له حتى تعلموا أن قد كافأتموه ) وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عظيم الوفاء ، لمن أحسن إليه ، وكان يقبل الهدية ، ويثيب عليها ويذكر المعروف ، ويجازي به ، بل كان يفعل أعظم من ذلك ، كان يشكر من أحسن إلى الناس ، فقد أعتق ابنة حاتم الطائي ، مكافأة لإحسان أبيها وفضائله على الناس . لذا على الإنسان ، أن يكون وفيا شاكرا لأهل الإحسان ، ذاكرا للجميل ، يحفظ الود ، ويرعى حرمة الصحبة والعشرة ، ولا ينسى المعروف لأهله ، ولو طال به الزمان. وقد كان السلف الصالح يعرفون الفضل لأهله ويجازون الإحسان بالإحسان ، ويكافئون أهل المعروف ولا ينكرونه ، فقال شاعرهم :
اذا المرء لا يرعاك الا تكلفا فدعه ولا تكثر عليه التأسفا
فلا كل من تهواه يهواك قلبه ولا كل من صافيته لك قد صفا
اذا لم يكن صفو الوداد طبيعة فلا خير في ود يجيء تكلفا
ولا خير في خل يخون خليله ويرميه من بعد المودة بالجفا
سلام على الدنيا اذا لم يكن بها صديق صدوق صادق الوعد منصفا
لما بلغ سفيان بن عيينة قتل جعفر بن يحي وما نزل بالبرامكة ، حوَّل وجهه إلى الكعبة وقال : اللهم إنه كان قد كفاني مؤونة الدنيا ، فاكفه مؤونة الآخرة. ومكث الإمام أحمد أربعين سنة ما بات ليلة إلا ويدعو فيها للشافعي وفاء بمعروفه ، في تعليمه الفقه والأصول .
إن نكران الجميل صفة مذمومة ، وتتنافى مع طبائع النفوس السوية، التي طُبعت على حب مَنْ أحسن إليها، والتسامح والعفو مع مَنْ أساء إليها. وكثيرة هي النماذج ، التي نسمع عنها بين الحين والآخر ، من العقوق ونكران الجميل ، أو ما نعرفه عن أصدقاء تقطعت بينهم صلات المودة والصداقة ، بعد أن تنكر بعضهم لبعض “يروى عن صديقين كانا يمشيان في الصحراء ، فتجادلا فضرب أحدهما الآخر على وجهه ، فتألم المضروب ، دون أن ينطق بكلمة واحدة ، فكتب على الرمال : ضربني اليوم أعز أصدقائي على وجهي ، واستمر الصديقان في مشيهما ، إلى أن وجدوا واحة فقرروا أن يستحموا ، فعلقت قدم الذي ضُرِب على وجهه في الرمال المتحركة ، وبدأ في الغرق ولكن صديقة أنقذه من الغرق، وبعد أن نجا من الموت ،كتب على قطعة من الصخر :اليوم أعز أصدقائي ، أنقذ حياتي ، فسأله صديقه :لماذا في المرة الأولى عندما ضربتك كتبت على الرمال ، والآن عندما أنقذتك كتبت على الصخرة ؟فأجاب : عندما يؤذينا أحد ، علينا أن نكتب ما فعله على الرمال ، حيث رياح التسامح ، يمكن لها أن تمحيها ولكن عندما يصنع معنا معروفاً ، علينا أن نكتب ما فعل على الصخر ، حيث لا يمكن للرياح أن تمحوها ” نعم أيها المؤمنون تعلّموا أن تكتبوا آلامكم على الرمال ، وأن تنحتوا المعروف على الصخر ، فإن أقسى شيء على نفس الإنسان ، أن يُقابل جميله بالنكران ومعروفه بالأذى إننا في حاجة إلى أن يقف كل منا ، وقفة مراجعة مع نفسه ، من وقت لآخر ليتأكد أنه في علاقاته مع غيره ، يسير على الطريق السوي ، فلا ينكر لهم حقا، ولا يجحد لهم معروفا، ويكافيء على المعروف بمثله أو أحسن منه والدعاء لصاحبه ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( مَنْ استعاذ بالله فأعيذوه ومَنْ سألكم فأعطوه، ومَنْ دعاكم فأجيبوه، ومَنْ آتى إليكم معروفاً فكافئوه فإنْ لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه ) ، فالكريم يحفظ ود ساعة، ولا يزهدنك في المعروف كفر من كفره، فأجره عند الله لن يضيع وسيرفع الله قدره وشأنه عند الناس، ويخذل من ينكر صنيعه ، والنفس تحب من أحسن إليها ، وتحب حفظ الجميل ورده لمن يستحقه , كان ابن عمر يمشي في الصحراء على دابته ، فقابله أعرابي ، فتوقف ابن عمر ونزل ،ووقف معه وقال: ألست ابن فلان بن فلان؟ قال: بلى ،ثم ألبسه عمامة كانت عليه وقال له: اشدد بها رأسك ، ثم أعطاه دابته وقال: اركب ،فتعجب أصحاب ابن عمر وقالوا له: إن هذا من الأعراب ، وهم يرضون بالقليل فقال: إن أبا هذا كان وِدّاً لعمر ، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه بعد أن يولي) أَخْرَجَهُ أحمد والبُخَارِي في الأدب المفرد ومسلم . وجاء في الأدب والسير: ” أن أعرابياً ، وفد على الخليفة وهو يبكي فقال الخليفة: ما لك ؟ قال : أصبت بأعظم من مصيبة المال ، قال: ما قصدك ؟ قال: ربيت ولدي، سهرت ونام وأشبعته وجعت ، وتعبت وارتاح ، فلما كبر وأصابني الدهر ، واحدودب ظهري من الأيام والليالي ، تغمط حقي، ثم بكى وقال:
وربيته حتى تركته أخا القوم واستغنى عن الطر شاربه
تغمط حقي ظالماً ولوى يدي لوى الله يده الذي هو غالبه
قيل : فلويت يد الابن وأصبحت وراء ظهره “.
وأما أكل الحقوق فغير جائز لقوله تعالى: ﴿ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ ﴾ البقرة 188. وإن حرمة مال المسلم ،كحرمة دمه ، ولا يحل مال امرئ مسلم ، إلا بطيب نفس منه ، وقد تنوعت الأدلة والنصوص ، على حرمة أكل أموال الغير ، بأي صفة كانت ، سواء على وجه الظلم والسرقة والخيانة ، أو بالغصب والنهب ، وما لم يبح الشرع أخذه من مالكه أو بالحيل والمكيدة والغبن ، وما جرى مجراه فهو مأكول بالباطل ، وقد تساهل كثيرٍ من الناس في أكل المال الحرام ، مصداقًا لقول النبيِّ صلى الله عليه وسلم : ( ليأتينَّ على الناس زمانٌ، لا يبالي المرءُ بما أخذَ المالَ: أمِنَ الحلال أم من الحرام) البخاري يشير النبي صلى الله عليه وسلم إلى خطورة أكل المال الحرام ، بأي طريقة كانت ، وأي وسيلة حصلت ، والمال الحرام سبب لمنع إجابة الدعاء ، وإغلاق باب السماء ، وقد جاء في الحديث الصحيح: (يأتي على الناس زمان يأكلون فيه الربا، قيل يا رسول الله: الناس كلهم. قال: من لم يأكله، ناله من غباره) أخرجه أحمد . فأين إسلام ممن يأكل الربا وأين ممن لم يسلم الناس من يده ، وأين إيمان من لم يرع أموال الناس ، وقد أمرنا الله برد الأمانات إلى أهلها ، والتوبة إليه ، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم ، وإنما هي الحسنات والسيئات ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ لِأَخِيهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ لِأَخِيهِ مِنْ حَسَنَاتِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَخِيهِ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ) أخرجه البخاري .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *