هدف المنافق تقويض دعائم الإسلام ، و نفث سمومه للتفريق بين المسلمين والتفنّن في صنع الافتراءات وإثارة الفتن ، وزرع بذور الخلاف بين صفوف المسلمين ، وقصه ومكائد المنافقين ضد المسلمين بقيادة ابن أبي أشهر من أن تعرّف ، ومنافقي اليوم كمنافقي الأمس فالفكر هو الفكر والغاية هي الغاية وإن تغيرت الأسماء وتبدلت الوسائل وتعددت المصطلحات التي يستوردونها و يستترون خلفها.
لقد عرفت المجتمعات الإنسانية قديما هذه الظاهرة ،ُ وهي ظاهره عامه يعايشها ويلامسها البشر على اختلاف مذاهبهم وانتماءاتهم ، وتختلف بدرجات متفاوتة بين مجتمع وآخر ويمكن أن تكبر هذه الظاهرة وتنمو بشكل كبير وخطير لتهدد مستقبل المجتمعات والشعوب وتطيح بإنجازاتها ، إذا ما وجدت البيئة المناسبة لها ، وقد أصبح لهذه الظاهرة ثقافةً تمارسها ، سواء على مستوى الفرد أو الجماعة أو المؤسسات أو الأحزاب أو التجمعات المتنوعة التي تمثل النسيج الاجتماعي والسياسي والأمني والاقتصادي والفكري لأي مجتمع . ويمكن تعريف ظاهرة النفاق هذه ، على أنها وسيله ماكرة وخبيثة يلجأ إليها أصحاب المصالح ، والمنافع الشخصية لتحقيق أهدافهم الضيقة على حساب المصلحة العامة ولتحقيق مكتسبات ليست حقا لهم وليسو أهلا لها ، ولهم صفات وسمات تبدأ من التلون والاختلاف الكبير ما بين السلوك الداخلي والخارجي ، والتكيف مع تغير المراحل والرموز والأحداث واستخدام أساليب الغش والخداع والمكر والغدر لتحقيق أهدافهم ، ناهيك عن استخدام وسائل التعالي على الآخرين والتحقير والاستهزاء بهم ، في مرحلة بلوغهم أهدافهم الخبيثة كما يمتازون بالغرور لتعويض نقصهم ، وإخفاء الارتباطات المشبوهة التي يعملون لخدمتها.
وتظهر خطورة وتأثير هذه الظاهرة ، في المرحلة التي تتعرض فيها الأمة لاعتداء أو احتلال ومن هنا اقترن ذكر المنافقين في القران الكريم مع الكافرين ، فكثيراً ما نُخدع في تصرفاتهم عندما نراهم يدّعون أنهم من أهل المنفعة فيخدعون أهل النوايا الحسنة ، ويتظاهرون بما ليس فيهم ويعظمون أعمالهم القليلة ، ويفتخرون بها ، فينسبون الفضل لأنفسهم ويمجدونها بأعمال قاموا بها أو شاركوا فيها فهم يجيدوا تغطية وجوههم برقة الكلام ، هدَفهم تتبّع الزّلاّت يفرَحون بكلِّ زلّة ويصطادون كلَّ خطيئة ، ليجسِّدوها ويجعَلوها وسيلةً إلى آرائِهم المضلِّلة وأفكارِهم المنحرفة حمَانا الله من شرورهم ، وقد بلغ وصف الله لغَيْظ هؤلاء المنافقين ومزيد بُغضهم وتكالبهم في العداوة للمؤمنين حداً أعلى فقال: ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّوا ْعَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ والمبالغة والبلوغُ إلى هذا الحدِّ لا يكون إلاَّ لالتهاب صدورهم وتسعُّر قلوبهم ، فكثيراً ما نلاحظ من بلغ به الغيظُ إلى عضِّ أنامله ، ولا يكون ذلك إلاَّ لأمر قد بلغ منه إلى غاية ليس وراءها غاية ، وقد أمر الله رسولَه صلى الله عليه وسلم أنْ يقول لهم:﴿مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ﴾ إنه الأدبَ الإلهي ، والتعليمَ الربَّاني فلو جئتَ بكلِّ عبارةٍ في الردِّ عليهم لما وجدت جواباً أبلغ ولا أقطعَ لظهورهم ، ولا أنكأ لقلوبهم ولا أخرس لألسنهم من هذا ، فغاية ما يتأثَّر عن مزيد العداوة هو الغيظ ، فإنْ تعاظمَ وتفاقم وأفرط بصاحبه بلغ به الـموتَ ، فأنت تقول لمن حقد عليك وجاهرك بعداوته من الغيظ: «مُتْ بغيظك» وبهذا الجوابَ يزدادُ غيظًا إلى غيظه ، وبلاءً إلى بلائه ، ومحنةً إلى محنته ، فكانت الثمرةُ التي استفادها من عداوته وما حمله من حسده هو هذا العذاب العظيم والبلاء المُقيم ، ولا يحيقُ المكرُ السيِّءُ إلاَّ بأهله، ولا يرجعُ بغيُه إلا إليه قال تعالى : ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم﴾ يونس 23 ونكثُه يعود إلى نفسه:﴿فَمَن نَّكَثَفَ إِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ وخداعُه يحلُّ به: ﴿ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم﴾ البقرة: 9 . ثم أخبر سبحانه عباده المؤمنين بأنَّه عليمٌ بما في الصدورُ وما تُخفي القلوبُ وبيَّن سبحانه لعباده حالَ هؤلاء بأكمل بيانٍ، وأَوضحَه بأتمِّ إيضاح، بحيث لا يبقى بعده رَيْبٌ ، ولا يختلجُ عنده شكٌّ، فقال: ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا﴾ فجعل سبحانه مجرَّدَ مسِّ الحسنة للمؤمنين موجبًا لـمُساءة المُتخلِّقين بأخلاق المنافقين ومجرَّدَ إصابة ما يُساءُ به المؤمنون مُقتضيًا لحصول الفرج لهم وليس بعد هذا من العداوة شيءٌ، فإنَّه النهايةُ التي ليس وراءها نهايةٌ ، والغايةُ التي ليس بعدها غايةٌ.
ثم شدَّ سبحانه قلوبَ عباده المؤمنين، وطمَّنَ خواطرَهم، وأثلجَ صدورَهم أنَّهم مع الصبر والتقوى لا ينالُهم ولا يصلُ إليهم ضررٌ البتَّة ، كما يفيدُه قولُه سبحانه: ﴿لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُم ْشَيْئًا﴾، فجاء بلفظ شيء الذي يتناول مثقالَ الذرَّة وما دونه، فضلاً عمَّا فوقه، وليس بعد هذه التسلية الربَّانيَّة والتعزية الرحمانيَّة ، لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمعَ وهو شهيد ففي هذه الألفاظ اليسيرة والكلمات الموجزة أفادتْ ما لم تُفدْه بلاغاتُ البُلغاء ، وفصاحات الفُصحاء ، وإنَّ غاية ما نجدُه من كلامهم في هذا الشأن هو كقول القائل : إن يسمعوا سُبَّةً طارُوا بها فَرَحًا .
إن علينا أن نحذر كيد المنافقين ونعتزلهم ، الذين يعيشون على الكذب والخداع ، ويطربون لإيذاء الآخرين ، ولا يحفظون عهدا ، ولا يقيمون وزناً للدين والوفاء في حياتهم ، ولا يرون في الآخرين إلا كل نقيصة ، ولا يسلم من سهامهم المسمومة أحد ، وكما يقول عمر بن الخطاب : ” عليك بإخوان الصدق عش في كنفهم ، فإنهم زينةٌ في الر خاء وعدّةٌ في البلاء واعتزل المنافقين ، ولا تصحب الفجار فتتعلم من فجورهم ، حتى لو كانت مكاسب الدنيا عندهم ، واحذر صديقك إلا الأمين ولا أمين إلا من خشي الله ، وتخشع عند القبور ، وذل عند الطاعة ، واستعصم عند المعصية ، واستشر الذين يخشون الله .
عجباً لقومٍ أمروا بالعمل الصالح ، وعن الدنيا سيرحلون ، ما الذي ينتظرون ؟ ومن آثر دنياه على آخرته فلا دنيا ولا آخرة والعاقبة للمتقين : { كل نفس ذائقة الموت } . وما أقبل عبد بقلبه على الله عز وجل إلا جعل الله قلوب المؤمنين تفد إليه بالود والرحمة وكان الله بكل خير إليه أسرع .
