كان رسولنا عليه الصلاة والسلام يتفاعل مع الظواهر الكونية، فله مع كُلٍّ منها هدي ، وهدي الرسول مع الغيث؛ تعليمًا للجاهل، وتذكيرًا للعالم ، وتفاؤلاً بنـزول الغيث فقد صحّ عنه أنه كان يدعو الله مرارًا ، ويلحّ عليه أن ينـزل الغيث، يدعوه في صور شتّى، ولم يكن يقتصر على صلاة الاستسقاء فحسب كحالنا نحن ولا حول ولا قوة إلا بالله. يقول ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد في هدي خير العباد: “ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه استسقى من وجوه:
الوجه الأول : يوم الجمعة على المنبر أثناء الخطبة، وقال: (اللهم أغثنا) ثلاثًا، أخرجه البخاري ومسلم. الوجه الثاني: وَعَد الناس يومًا يخرجون فيه إلى المصلّى ، فلما طلعت الشمس خرج متواضعًا مُتَبذّلاً مُتخَشّعًا. وهذه صلاة الاستسقاء المعروفة .
الوجه الثالث: أنه استسقى على منبر المدينة استسقاءً مجرّدًا في غير يوم جمعة ، ولم يُحفظ عنه في هذا الاستسقاء صلاة . الوجه الرابع: أنه استسقى وهو جالس في المسجد، فرفع يديه ودعا الله عز وجل، فحُفِظ من دعائه حينئذ: (اللهم اسقنا غيثًا مُغِيثًا مَرِيعًا طَبَقًا عاجلاً غير رائِث نافعًا غير ضار) رواه أبو داود بسندٍ صحيح من حديث جابر بن عبد الله، ومعنى مَرِيعًا: أي ذا خَصَابةٍ ومَرَاعةٍ.
وروي انه لما شكا الناس قحوط المطر أمر بمنبر وقعد عليه وكبر وحمد الله واثنى عليه ثم قال : إنكم شكوتم جدب دياركم واستئخار المطر عن إبان زمانه عنكم ، وقد أمركم الله أن تدعوه ، ووعدكم أن يستجيب لكم ، ثم قال : ﴿ الحمد لله رب العالمين ، الرحمن الرحيم ، ملك يوم الدين ﴾ ، لا إله غ لا الله يفعل ما يريد اللهم أنت الله ، لا إله إلا أنت الغني ، ونحن الفقراء ، أنزل علينا الغيث ، واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغاً إلى حين .. ) . وهذا يدل على أنه يُستحبّ لنا أن نهتدي بهدي الرسول عليه الصلاة والسلام وندعو الله بنـزول الغيث في شتّى الأوقات التي تُرجى فيها الإجابة ، كالدعاء في السجود وفي وقت السحر ، وبين الآذان والإقامة ونحوها.
أما لماذا لا نُسقى ولا نُمطر ؟ قال تعالى : ﴿ وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا ﴾ . والمعنى : أن عدم سقي ذلك الماء الغدق ، يكمن خلفه : عدم الاستقامة على الطريقة.. ومظاهر عدم تلك الاستقامة ، لا نحتاج أن نُماري فيها أو نجادل ، لكي ندلل على وجودها ، إلاّ اللهم إذا كنّا نريد أن نخدع أنفسنا ، ونظنّ أنّ خداعنا سيجوز ويمضي على عَلاّم الغيوب جلّ جلاله
فها هي بعض القنوات الفضائية التي تقوم ببثّ وعرض مفاسدها وها هو ذي الربا الذي هو حربٌ مُعلنةٌ على الله وعلى دينه ، مقترنٌ مع منع الزكاة على وجهها الذي شرعه الله ، مع ورود الخبر الصادق بأنه ما ( منع قوم الزكاة إلاّ ومُنعوا القطر من السماء ) . وصلاة الاستسقاء ، لا تكفي لضمان تحقيق الهدف من تلك الصلاة ، وهو رضا رب العالمين , وإنزاله الغيث علينا مدرارا ، بل يتعيّن أن يكون مقترنا ، بما كان سلفنا الصالح يفعلونه عند يتأخر عليهم المطر وينوون الإخبات إلى الله عز وجل واستسقائه . فقد كانوا يخرجون عن المظالم ، ويُقررون الإقلاع عن المنكرات التي استجدت في حياتهم ويغلب على ظنهم أنها هي التي أسخطت رب العالمين عليهم فعاقبهم بما عاقبهم به من حبس رحمته عنهم .
