هل الربا سبب أزمة الرهن العقاري


قال تعالى :{ الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس } . الربا من الأمور التي حرمها الله تعالى ، وفي هذا التحريم إعجاز اجتماعي عظيم لأن الربا لا يضر فقط الفرد أو رجل الأعمال أو التاجر إنما يضر الأمة كلها ، ولهذا لا توجد معصية وضع الله تعالى نفسه في حرب مع صاحب المعصية ، إلا في الربا قال تعالى : { فأذنوا بحرب من الله } وكأن هناك جيش يقوده الله تعالى أمام ذاك المرابي أياً كان رجلا أو امرأة ، وكأنه يريد أن يبارز الله تعالى ، إنه وصف مخيف ، وليتخيل المرابي أنه مع جيش يقابل جيشا قائده الله تعالى هل سينتصر ؟ لا بالطبع ، فنظام الربا نظام يفتت المجتمع ويدمر الأمم ويهلك الفرد والأسرة لذا كانت الحكمة الرئيسية من تحريم الربا هي حماية الفقراء وأصحاب الدخل المحدود في المجتمعات الإنسانية ، لأن التاجر إذا رفعت عليه سلعتك ، فسيرفع عليك سلعته ، أما الموظف والعامل أو الأرملة أو اليتيم أو الفقير ، بل وأصحاب الدخل المحدود فإنهم يتأذون إيذاءً كبيرا من الربا ، لأنه يؤدي إلى ارتفاع الأسعار يوما بعد يوم ، كما هو في أيامنا هذه والإسلام ليس الدين الوحيد الذي انفرد بتحريم الربا ، بل إن الشرائع السماوية كلها قد حرَّمت الربا ، وما نراه من التعامل الربوي في المجتمعات الغربية ، ما هو في حقيقته إلا خروجٌ على شرعة الدين وهو امتداد لقمع الإنسانية واستعباد البشر ، لقد قطعت الأساليب الربويةُ في المعاملات الاقتصادية شوطاً طويلا ، وكان اليهود هم حملةُ لوائها ، ولم يخل عصرٌ من الدعاة الذين كشفوا فساد النظام الربويّ ودعوا إلى حماية المجتمعات والفقراء من تحكُّمِ الدائنين .
وليس غريباً أن نجد القوم الذين صدّروا لنا النظام الربوي يحاولون الآن جاهدين أن يتخلصوا منه ، لا لأنهم ينظرون إلى هذا التخليص على أنه طهارةٌ دينية ، ولكن لأنهم يرون أن كل شرور الحياة ناشئة عن هذا الربا ، ومما يذكرُ في هذا المجال أن نابليون قد اعتنق الإسلام وتعلَّم العربية وغيَّر اسمه إلى علي بونابرت ، وبعد أن رأى تصاعد الربا قال : “من المدهش أن هذا الوحش يستهلك البشرية برمتها” وقال : “آملُ أن يأتي اليوم الذي أجمع فيه الحكماء والمثقفين من جميع الأمم ، لتأسيس نظام موحد عادل مبني على القرآن الذي هو الحقيقة الوحيدة وهو الذي يقود الإنسانية إلى السعادة” وعندما حاول إبرا هام لنكولن تحريم الربا قُتل بعد ثلاثة أيام من قراره هذا . وعندما حاول جون كندي إحياء قانون إبراهام ، اغتيل هو الآخر قبل توقيع القرار الذي كان موجوداً على مكتبه .
وقديماً قام الألماني رجل الاقتصاد العالمي – شاخت – فوضع تقريره الذي قال فيه : بأن الفساد ناشئ من النظام الربوي لأنه يضمن للغني أن يزيد غنى ، وهذا الازدياد من الفقير وبهذا يصبح المال في يد أقلية تتحكم في مصائر الناس ، لأن الذين يحبون أن يستثمروا المال لا ينظرون إلا إلى النفعية المالية وهم يديرون المشروعات التي تحقق لهم تلك النفعية ، وهناك رجل اقتصاد آخر اسمه -كينـز – يقول : إن المال لا يؤدي وظيفته في الحياة إلا إذا انخفضت الفائدة إلى درجة الصفر ومعنى ذلك أنه لا ربا . وقد عقد مؤتمر منذ سنوات في بريطانيا من أجل تحريم الربا ، ولم يكن منطلقا من منطلق إسلامي ولكنه من منطلق اقتصادي بحت ، فتكلم المؤتمرون على أن مخطط جمع المال في أيدي محدودة في العالم مخطط يهودي ، اليهود الذين بدءوا بإقامة البنوك وإصدار الأوراق ، بدلا من الذهب والفضة ورصيد الذهب والفضة يبقى عندهم ، ثم تحركوا إلى إصدار الشيكات ثم البطاقة الذكية الائتمانية ثم أصبحت الأمور كلها أمورا الكترونيا ، حتى ينـزع المال من أيدي الناس ، ويبقى في أيدي أعداد محدودة من البشر ، يتحكمون في مقدرات الناس وفي أسعار الأشياء.
وهناك بنكان عالميان أحدهما في اليابان والآخر في ألمانيا لا يتعاملان بالفائدة ولا بالربا ، ليس من منطلق إسلامي ، ولكن من منطلق اقتصادي ، وقد أخبرني ثقة بأن الاقتصاد الياباني قائم على جعل فائدة البنوك صفرا ، وهي القضية الإسلامية التي تحرم الربا بالكامل .
وكلنا نعيش هذه الأيام قصة القروض وما فعلته في أمريكا والانهيار الاقتصادي الذي تعاني منه ، والذي لحق بأوروبا وذلك لأن هناك ارتباط بين القروض في أمريكا وبريطانيا وأوروبا ، فكانت أزمة الرهن العقاري ، الأزمة المالية الأكبر في التاريخ الحديث ، هي ثغرة حقيقيّة لم يكن أحد يتوقعها خصوصاً من أكبر وأضخم اقتصاد على وجه الأرض ، الذي تعلم الدرس في القرن الماضي وذاق ألم الكساد الكبير، فقد وصلت الخسائر أرقاماً فلكية لا يستطيع العقل تحملها، ومن يوم لآخر يزداد تفاقم الأزمة المالية، ومن ساعة لأخرى يتسع مدى انتشار تداعياتها على مستوى الاقتصاد العالمي.. لدرجة أن الحكومات باتت تخرج واحدة تلو الأخرى في الغرب الأوروبي تعترف بمدى ضخامة خسائرها لدرجة أن إحدى الدول الأوربية خرجت بتصريحات بأنها على وشك إعلان الإفلاس وعلى النقيض تخرج الدول العربية واحدة تلو الأخرى لتؤكد أنها لم تلحق بها أي خسائر جراء الأزمة العالمية.. وإن الجميع في الغرب يسعى جاهدا لتقدير حجم خسائره على وجه الدقة مهما كان كبرها، وفي المقابل هناك دولا أخرى تسعى بكل جهدها لتقليل ما يمكن أن يلحق بها نتيجة الأزمة
ولقد أشار الكثير من الاقتصاديين إلى بلوغ حجم سوق مضاربات التخلف عن سداد قروض الائتمان تقدَّر بحوالي 62 تريليون دولار ليكشف أن عمق الأزمة الحالية يكاد يصل إلى جميع دول العالم ببنوكها ومؤسساتها الخاصة والعامة ومستثمريها صغارا وكبارا.
وهنا سؤال ؟ لماذا امتنع وزير الخزانة الأمريكي عن التدخل لإنقاذ ليمان براذرز؟ إننا نحتاج أن نعرف ماذا في جعبة هذا البنك المنهار.. لكي نعرف دوافع وزير الخزانة للتضحية بهذا البنك الكبير.. هل في جعبته ضحايا غير مرغوب فيهم؟ أم أن استثماراته لم تعد مفيدة للاقتصاد الأمريكي؟ لماذا أصبح لديهم قناعة بأن إفلاسه أفضل من إنقاذه؟ أم أن انهيار البنك لم يكن انهياراً بقدر ما كان انفجار لفقاعة بعد تحصيل أرباح مضاربات تقدر بتريليونات الدولارات؟
ويتسائل الناس عن الأزمة الحالية يريدون أجوبة، يريدون جواباً شافياً يصف الحالة وهذا بالضبط لا يستطيع أيّ اقتصادي فعله فالأزمات المالية في الوقت الحالي تتداخل مع عوامل ومتغيرات تتعلق من نفسية الإنسان إلى وضع السوق ، فالأزمة المالية الحالية بدأت السنة الماضية واليوم نشاهد بعض من آثارها، ولكن الآثار الموجعة لم تظهر بعد لأن انهيار المؤسسات المالية هي بداية لحالة تصحيح شديدة ومؤلمة للسوق ، يتبعها بشكل حتمي انهيار في جميع القطاعات الصناعية والتجارية ، وتوقف النمو الاقتصادي وتحقيق الركود .
وإن حقيقة الأزمة الحالية ، ترجع إلى أن العقارات الأمريكية قد وصلت أسعارها للسماء واستمرت في الصعود، وأن الجميع يريد الاستثمار في هذه السوق، لكن أي استثمار يتطلب الشراء بسعر ، والبيع بسعر أعلى منه، ومهما كان المستثمر ذكياً فإنه سيصل إلى مرحلة لن يجد من يشتري منه بسعره العالي، وهنا يضطر إلى البيع بسعر أدنى مما اشترى وعندها تبدأ موجة انخفاض الأسعار.
هذا أحد عوامل انخفاض الأسعار التي تعتمد على الطلب والعرض وهناك عوامل أخرى، كالوضع السياسي وسوق العمل وغيرها، لكن المهم أنّ أسعار العقارات بدأت في الانخفاض ، وقبل أن تنخفض أسعار هذه العقارات، كانت قد مُوّلت بقروض رديئة ، دون ضمانات كافية ، تدعى بالقروض العقارية الرديئة ، مقابل فائدة عالية غير ثابتة لتغطي على المخاطر، عندما تتقدم بطلب قرض عقاري رديء ، يمنحه لك البنك مقابل ملكية المنزل الذي ستبنيه، مع سعر فائدة عالي متغير ، لذا فإن أسعار العقارات كانت في ارتفاع مستمر لأنها صفقة رابحة، ابني بمليون وبيع بمليون ونصف، لكن ماذا لو أردت البيع وكان سعر المنزل نصف مليون؟. وهذا يعني هبوط أسعار العقارات ، وعندها يرفع البنك سعر الفائدة لمواجهة الأخطار المحتملة وبذلك يرتفع قيمة القسط الذي يجب على صاحب العقار أن يسدده ومع انخفاض سعر منزله ، لن يكون قادر على السداد لمدة طويلة ، فيعلن إفلاسه، فيقوم البنك بطرده من المنـزل ويعرضه للبيع عبر المزاد العلني ، وما حصل أنّ حالات الإفلاس وصلت لمئات الآلاف ، ومع عرض مئات الآلاف من المنازل للبيع ، انخفض سعرها زيادة عمّا انخفضت عليه وبذلك أصبحت ديون البنك معدومة ، أي لم يستطع البنك تحصيل الديون المستحقة هذا هو واقع أزمة الرهن العقاري ، ورغم أن الاقتصاد الأمريكي قوي ومرن جداً ، وقدرته عالية على التعافي، فهو اقتصاد متعدد الموارد وليس اقتصاد تجاري فقط ، إلا أن آثار الأزمة واضحة على الأمريكيين خصوصاً من فقدوا منازلهم ، وأصبحوا يعيشون في عربات مغلقة ومع ذلك تلاحقهم فواتير بطاقات الائتمان ومطالبات الاستحقاق من البنوك على شكل ديون طويلة الأمد ، أي ربما يموت وهو يعمل ومازال يسدد ديونه. وفي المقابل وكأي أزمة مالية ، هناك من ينتفع ، فانهيار البنوك الأمريكية سهّل دخول المستثمرين الأجانب ومنهم الصين وإن ما يحدث في أمريكا اليوم تماماً كما حدث في كوريا الجنوبية في الأزمة الآسيوية 1997، حيث انهارت أغلب الشركات الكورية ، وتعرضت للإفلاس، فدخل الأمريكيون مشترين لأغلب شركاتهم ، فلا تجد اليوم شركة كورية إلا و10% إلى 30% من أسهمها ملك الأمريكيين وقد تحرك العالم لإنقاذ “الاقتصاد العالمي ، بضخ مبالغ تقدر بتريليونات الدولارات ، ترى لو تم صرف 100 مليار فقط في مكافحة المجاعات وبناء المدارس في إفريقيا، وإدخال هذه الأمّة في عجلة الإنتاج الاقتصادي، وتحقيق تنمية لا بأس فيها، ألن يكون لذلك فوائد هائلة على “الاقتصاد العالمي”. أليس دخول الصين عجلة الاقتصاد العالمي قبل أربعين سنة ، كان له أكبر الأثر على واقعنا؟!، هل كنّا لنحلم بامتلاك أجهزة الحاسوب الرخيصة الجيدة لولا العمالة الصينية الرخيصة؟. ونتيجة لهذه الأزمة فقد دعت كبرى الصحف الاقتصادية في أوروبا التي تنادي دولها بالعلمانية (فصل الدين عن الدولة) لتطبيق الشريعة الإسلامية في المجال الاقتصادي ، كحل أوحد للتخلص من براثن النظام الرأسمالي ، الذي يقف وراء الكارثة الاقتصادية التي تخيم على العالم ، ففي افتتاحية مجلة “تشالينجز”، كتب رئيس تحريرها موضوعا بعنوان (البابا أو القرآن) أثار موجة عارمة من الجدل وردود الأفعال في الأوساط الاقتصادية فقد تساءل الكاتب فيه عن أخلاقية الرأسمالية؟ ودور المسيحية كديانة والكنيسة الكاثوليكية بالذات في التساهل في تبرير الفائدة ، مشيرا إلى أن هذا النسل الاقتصادي السيئ ، أودى بالبشرية إلى الهاوية وتساءل الكاتب بأسلوب يقترب من التهكم من موقف الكنيسة ومستسمحا البابا قائلا: “أظن أننا بحاجة أكثر في هذه الأزمة إلى قراءة القرآن ، بدلا من الإنجيل لفهم ما يحدث بنا وبمصارفنا ، لأنه لو حاول القائمون على مصارفنا ، احترام ما ورد في القرآن من تعاليم وأحكام وطبقوها ، ما حل بنا ما حل من كوارث وأزمات ، وما وصل بنا الحال إلى هذا الوضع المزري؛ لأن النقود لا تلد النقود”. وفي الإطار ذاته لكن بوضوح وجرأة أكثر ، طالب رئيس تحرير صحيفة “لوجورنال د فينانس” في افتتاحية هذا الأسبوع بضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية في المجال المالي والاقتصادي لوضع حد لهذه الأزمة التي تهز أسواق العالم من جراء التلاعب بقواعد التعامل والإفراط في المضاربات الوهمية غير المشروعة. وعرض في مقاله الذي جاء بعنوان: “هل تأهلت وول ستريت لاعتناق مبادئ الشريعة الإسلامية؟”، عرض المخاطر التي تحدق بالرأسمالية وضرورة الإسراع بالبحث عن خيارات بديلة لإنقاذ الوضع وقدم سلسلة من المقترحات المثيرة في مقدمتها ، تطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية ، برغم تعارضها مع التقاليد الغربية ومعتقداتها الدينية ، وفي استجابة -على ما يبدو لهذه النداءات، أصدرت الهيئة الفرنسية العليا للرقابة المالية -وهي أعلى هيئة رسمية تعنى بمراقبة نشاطات البنوك- في وقت سابق ، قرارا يقضي بمنع تداول الصفقات الوهمية والبيوع الرمزية التي يتميز بها النظام الرأسمالي ، واشتراط التقابض في أجل محدد بثلاثة أيام لا أكثر من إبرام العقد، وهو ما يتطابق مع أحكام الفقه الإسلامي ، كما أصدرت نفس الهيئة قرارا يسمح للمؤسسات والمتعاملين في الأسواق المالية ، بالتعامل مع نظام الصكوك الإسلامي في سوق المنظمة الفرنسية.
ومنذ سنوات والشهادات تتوالى من عقلاء الغرب ورجالات الاقتصاد ، التي تدع الى التنبه إلى خطورة الأوضاع التي يقود إليها النظام الرأسمالي الليبرالي على صعيد واسع، وضرورة البحث عن خيارات بديلة تصب في مجملها في خانة البديل الإسلامي .
ففي كتاب صدر مؤخرا للباحثة الإيطالية لووريتا نابليوني بعنوان “اقتصاد ابن آوى” أشارت فيه إلى أهمية التمويل الإسلامي ، ودوره في إنقاذ الاقتصاد الغربي.
واعتبرت نابليوني أن “مسئولية الوضع الطارئ في الاقتصاد العالمي ، والذي نعيشه اليوم ناتج عن الفساد المستشري والمضاربات التي تتحكم بالسوق ، والتي أدت إلى مضاعفة الآثار الاقتصادية”. وأضافت أن “التوازن في الأسواق المالية يمكن التوصل إليه بفضل التمويل الإسلامي ، بعد تحطيم التصنيف الغربي الذي يشبِّه الاقتصاد الإسلامي بالإرهاب ورأت نابليوني أن التمويل الإسلامي هو القطاع الأكثر ديناميكية في عالم المال الكوني”.
ألا يعتبر هذا الحدث حرباً من الله على المتعاملين بالربا حرباً تصبُ عليهم النقمة والعذاب أفراداً وجماعات ، وأمماً وشعوبا وهي لا تعتبر ولا تفيق ، أليس اعترافهم بالنظام الاقتصادي الإسلامي ، دليل على فساد النظام الرأسمالي ، ورفع منـزلة النظام الذي فرضه رب العالمين الذي يعلم ما يصلح مخلوقاته : { ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير } .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *