هل يجوز تتبع الرخص في الفتاوى


لقد جاءت الشريعة الإسلامية بكل أحكامها وأوامرها ونواهيها لتحقيق المصالح وتكثيرها ودرء المفاسد وتقليلها، قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ ولو كان في هذه الشريعة شيء خلاف المصلحة الحقيقية ،لم يصح وصفها بأنها رحمة للعالمين، والله يعلم حقيقة الخلق ومصالحهم ، ولا يفوته – سبحانه – أن يرعى مصالحهم وحاجاتهم ، فقد أرسل الرسل ليخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ، وجاء بهذا الدين ليتولى قيادة الحياة البشرية، وتنظيمها وتوجيهها وصيانتها. ولم يجئ ليكون مجرد عقيدة في الضمير ، أو مجرد شعائر تعبدية تؤدى في الهيكل والمحراب ، ورغم ضرورة الشعائر التعبدية وأهميتهما ، إلا أنها لا تكفي وحدها لقيادة الحياة وتنظيمها وتوجيهها وصيانتها ، ما لم يقم على أساسها منهج ونظام وشريعة ، تطبق عمليا في حياة الناس ، ويؤخذ الناس بها بحكم القانون والسلطان ، ويؤاخذ الناس على مخالفتها، ويؤخذون بالعقوبات .
والحياة البشرية لا تستقيم إلا إذا تلقت العقيدة والشعائر والشرائع من منهج الله ، ولا بد من التسليم لله وتعظيم نصوص شرعه ، وأخذ الدين بقوة ، والبعد عن تتبع الرخص وزلات العلماء قال تعالى :﴿ خذوا ما آتيناكم بقوة ﴾ ويقول لنبيه يحي ﴿ يا يحيى خذ الكتاب بقوة ﴾ . لقد كثر في هذه الأيام تتبع الناس لفتاوى ورخص العلماء فيما يهوونه ويرغبونه من متاع الدنيا وزينتها ، وإن خالفت هذه الفتاوى من كان أوثق وأعلم وأتقى لله ممن أفتاهم ، ورخص لهم في المسألة التي يريدون وإذا ما قلت لأحدهم أن هذا الأمر حرمه أكثر العلماء ، يجيبك بأن فلان أحله وأنا آخذ بفتواه ، مع أن الواجب على المسلم إتباع الدليل ، ومن المعلوم أن أقوال العلماء يستعان بها على فهم الأدلة ، ومن لا علم عنده ولا يستطيع الترجيح بين أقوال العلماء ، عليه أن يسأل أهل العلم ، الذين يوثق بعلمهم ودينهم ويعمل بما يفتونه به ، لقوله تعالى : ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ الأنبياء43
فإذا اختلفت أقوال العلماء ، فعليه أن يتبع الأوثق والأعلم ، والأخطر من هذا أن أناساً ممن جمعوا بين قلة الفقه ورقة الدين، واتباع الهوى والإعجاب بالنفس، أخذوا يخوضون في أحكام الشريعة، ويفتون في كبار المسائل بلا حجة ولا دليل، ولا بينة ولا برهان، وإنما دليلهم هو المصالح المرسلة أو الضرورة ، التي تقررها عقولهم القاصرة، وتدعو لها أهوائهم الضالة وإراداتهم الفاسدة، فأباحوا كثيراً من المحرمات، وأنكروا كثيراً من المشروعات، لأنها بزعمهم خلاف المصلحة التي هي مقصود الشارع، بل وصل الحال ببعضهم إلى أن يتبنى عن حسن نية أو سوء نية أحد هذين المنهجين الخطيرين، وكلاهما كفيل بهدم الدين والتشكيك في أحكامه القطعية وثوابته الشرعية، لذلك لا يجوز للمسلم أن يأخذ من أقوال العلماء ما يوافق هواه ، ولو خالف الدليل ولا أن يستفتي من يرى أنهم يتساهلون في الفتوى ، بل عليه أن يحتاط لدينه ، فيسأل من أهل العلم ، من هو أكثر علماً ، وأشد خشية لله تعالى ، فنحن متعبدين بالنص لا بأقوال العلماء فمن الناس من يسأل عالماً ، فإذا لم توافق فتواه هواه سأل آخر ، وهكذا حتى يصل إلى عالم يفتيه بما يهوى وما يريد ‍‍!! ولهذا قال العلماء : من تتبع ما اختلف فيه العلماء ، وأخذ بالرخص من أقاويلهم تزندق ، أو كاد . والزندقة هي النفاق ، ورد في كتب الفقه مسائل فقهية ، تَبَيَّنَ خطأ قائلها من أهل العلم، بسبب خفاء النص عليه، أو لغير ذلك من الأسباب المعروفة التي لأجلها يختلف العلماء ولئن كان ذلك الإمام معذوراً مأجوراً ، لخفاء النص عليه أو لغير ذلك من الأسباب ، فما عُذْرُ من بلغه النص عن الله أو عن رسوله؟! ثم يدعي بعد ذلك أنه يجوز له الأخذ بذلك القول لأجل أنه قد قيل به! والمصيبة أن بعض الناس وجد في بعض تلك الأقوال ، التي قد تكون شاذةً في المقياس الفقهي ، وجد فرصةً للأخذ بها، بحجة أنه قد وجد في هذه المسألة قولاً يقول بالإباحة! ضارباً عرض الحائط بالقول الآخر ، الذي يكاد يكون إجماعاً أو شبه إجماع من السلف الصالح على تحريم هذا الفعل أو ذاك القول ، أليس لهؤلاء نصيب من قوله تعال : ﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾ ، ولم لا يتذكر المترخصون قوله تعالى: ﴿ بل الإنسان على نفسه بصيرة﴾ وقوله r : ( البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر ) وهذا المعنى الذي دلّ عليه الحديث ، إنما يجده من بقي في قلبه بقية من نور، لم تطمسها ظلمة الشهوات والشبهات! أما من هام في أودية الفسق والفجور فإن قلبه لا يفتيه ، إلا بما تهواه نفسه! وما أجمل ما حكاه ابن الجوزي: عن نفسه، وهو يصف حالاً مرّت به، تشبه ما نحن بصدد الحديث عنه من أحوال بعض المترخصين اتباعاً لأهوائهم، يقول: “ترخصت في شيء يجوز في بعض المذاهب فوجدت في قلبي قسوة عظيمة، وتخايل لي نوع طرد عن الباب وبُعْدٌ، وظلمة تكاثفت! فقالت نفسي: ما هذا؟ أما خرجت عن إجماع الفقهاء؟ فقلت لها: يا نفس السوء! إنك تأولت ما لا تعتقدين، فلو استُفْتِيْتِ لم تفتِ بما فعلتِ ، وأنه ينبغي لك يا نفسُ الفرح بما وجدت من الظلمة عقيب ذلك؛ لأنه لولا نورٌ في قلبك ما أثر هذا عندك!” . يقول العلامة عبد الكريم الخضير :” ليس للمسلم أن يختار أسهل الأقوال ، لأنه بهذه الطريقة يتنصَّل من التكاليف الشرعية أو جُلِّها بل على الشخص أن يختار من أقوال العلماء أرجحها من حيث الدليل ، إن كان أهلاً للنظر والموازنة ، وإن لم يكن فعليه أن يُقلِّد أوثق العلماء في نفسه علماً ، وديناً ، وورعاً قال الله تعالى : ﴿ وبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ﴾ وقال تعالى: ﴿ ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن ﴾ فالحق واحد ثابت ، والأهواء كثيرة متقلبة ، وبالحق الواحد يدبر الكون كله , فلا ينحرف ناموسه لهوى عارض ، ولا تتخلف سنته لرغبة طارئة ولو خضع الكون للأهواء العارضة والرغبات الطارئة لفسد ، وفسد الناس معه ، ولفسدت القيم والأوضاع ، واختلت الموازين والمقاييس فما شهد له الشرع بالصلاح فهو المصلحة، وما شهد له بالفساد فهو المفسدة والخروج عن هذا المعيار معناه اتباع الهوى ، والهوى باطل لا يصلح لتمييز الصلاح من الفساد ، ومن تأمل كلمة الهوى في القرآن الكريم، لم يجدها ذكرت إلا في موطن الذم! ولهذا حذر الله نبياً من خيرة أنبيائه من هذا الداء القلبي الخطير فقال: ﴿ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ ص 26! فالمقصود بالذم هنا، هو من اتبع هواه في الاستفتاء، بحيث يتنقل بين المفتين، فإن وافقت الفتيا ما في نفسه طبقها ، وإلا بحث عن آخر حتى يجد من يفتيه، وهذا هو اتباع الهوى بعينه، وقد أحسن ابن دريد في مقصورته :
وآفة العقل الهوى فمن علا على هواه عقله فقد نجا
فالحق هو ما جاء به الشرع الحنيف، وما عداه فهو الهوى ، ولو كانت العقول البشرية المجردة قادرة على تمييز الحلال من الحرام، وإدراك المصالح والمفاسد الحقيقية ، لما كانت هناك حاجة لإرسال الرسل وإنزال الكتب السماوية!، إن اعتماد بعض الناس في فهم المصالح والمفاسد على خبراتهم العادية ، وموازينهم العقلية، هو الذي جعلهم يتصورون أن التعامل بالربا ضرورة لا بد منها لتنشيط الحركة التجارية، والنهوض بها ، أو شراء شقة يسكنها أو سيارة يركبها ، وهو الذي صور لهم أن العقوبات الشرعية، كعقوبة القصاص، وقطع يد السارق، ورجم الزناة، وجلد السكارى، غير ملائمة لهذا العصر، لما تنطوي عليه من قسوة وبشاعة، وهو الذي صور لهم أن الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله ، وحشية وهمجية لا تلائم روح العصر، ولا تتفق ومواثيق الأمم المتحدة ، والأعراف الدولية السائدة ، وهو الذي صور لهم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيه تعد على حريات الناس، وتدخل في خصوصياتهم ، لذا يجب تركه وإهماله ، إلى غير ذلك من الأمثلة من أناس لم يستنيروا بنور الشرع، ولم يهتدوا بهدي الله قال تعالى : ﴿ وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ الزمر 23 وقال : ﴿ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ ﴾ النور 40
يقول الإمام الشاطبي في الموافقات 37 : “المصالح المجتلبة شرعاً، والمفاسد المستدفعة، إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى، لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية، أو درء مفاسدها العادية” . وما جاءت الشريعة إلا لتخرج المكلفين عن دواعي أهوائهم، حتى يكونوا عباداً لله اختياراً كما هم عبيد له اضطراراً قال تعالى : ﴿ وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ﴾ المؤمنون71 . فقد زادت الأهواء واستولت الشهوات على النفوس، ورق الدين وهان شأنه عند الناس ، فكان من واجب الدعاة إلى الله اتباع المنهج الشرعي، والتيسير فيما يسر فيه الشرع وأخذ الناس بالحسنى، وألا يؤدي الترخص إلى تهوين شأن العبودية والتسليم لله ، وتعويد الناس على الجرأة على معصية الله ، وألا يدعونا فساد الواقع إلى تطويع الشرع لتسويغه قال الله تعالى : ﴿ ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه ﴾ .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *