واجبنا تجاه القدس والأقصى


للمسجد الأقصى منـزلة عظيمة في عقيدة كل مسلم وأرضه أرض إسلامية لا يملك أحد من المسلمين رقبتها ولا التنازل عنها لأحد ، فما بالنا إذا كان التنازل لليهود ؟ الذين استثناهم عمر بن الخطاب من سكناها عندما أعطى لأهل القدس عهدا ، بما سمي بالعهدة العمرية قال : “ولا يسكن بإيلياء أي القدس معهم أحد من اليهود ” ، لقد بلغت الإجراءات الإسرائيلية لتهويد القدس والمسجد الأقصى حداً لا يخفى على أحد ، والذي تمثل بسن القوانين والتشريعات التي تضمن لهم ذلك كتوسيع حدود بلدية القدس لضم أكبر مساحة ممكنة بأقل عدد من السكان العرب ، ناهيك عن الإجراءات التعسفية كحل مجلس أمانة القدس العربية وإلغاء القوانين الأردنية ، واستبدالها بتشريعات إسرائيلية ، وإزالة الكثير من الأحياء العربية ، ومصادرة الأراضي والعقارات ، وتوالي عمليات الهدم والإزالة وفرض الضرائب المتعددة ، ابتداءاً بضريبة الدخل وانتهاءاً بضريبة الأرنوتا والتي تصل إلى سبعين دولاراً على المتر المربع الواحد سنوياً ، أضف إلى ذلك رسوم التأمين الوطني ورسوم الإعلام ، وغير ذلك من الإجراءات التي لا يتسع المقام لذكرها ، وما يهمنا هو التذكير بخطورة وضع القدس ، وما يرافق ذلك من التراخي العربي والإسلامي في نصره قضية القدس ، والذي قد يؤدي إلى التنازل عنها بحجة عدم القدرة على حرب اليهود ، ونقص الدعم العربي والإسلامي ، ناسين أنها أمانة عظيمة في أعناقهم سوف يسألهم الله عنها .
إن هذا الاعتداء على الأقصى هذه الأيام ، ليس الأول وليس الأخير ، ففي كل مرة يتم فيها الاعتداء على المسجد الأقصى ، نتباكى على القدس ومقدساتها وتتوالى الاحتجاجات من قبل الجهات الرسمية وغير الرسمية ومن الأحزاب والتجمعات والحركات الإسلامية وغير الإسلامية ، للقيام بمسيرات أو إصدار بيانات ، وغير ذلك من الأعمال التي لا تغير واقع ما يجري في الأقصى وما يتعرض له زواره وعماره وحراسه وجيرانه من الظلم أو القهر أو الاحتلال ، بل إن دولة اليهود تزيد من إحكام سيطرتها على المسجد وأهله ، ويتجلى ذلك بالممارسات القمعية ، والإساءات الفظيعة التي يرتكبوها وليس من خطة عند المسلمين ، غير الاحتجاج لدى من تنادوا لنصرة الأقصى واستنقاذه .
لقد قاموا سابقاً بإحراق المسجد الأقصى المبارك ، وقوبل ذلك باحتجاج واستنكار المسلمين ، مما فاجئ رئيسة وزراء إسرائيل يومها ، التي لم تنم في ليلة حريق الأقصى في انتظار ردة فعل المسلمين ، التي ستدمر الكيان الصهيونى ، انتقاماً لأحد أهم المقدسات الإسلامية ، وقد وصفت يوم حريق الأقصى ، بأنه أسوأ أيام حياتها على الإطلاق ، لكنها لما عرفت أن ردة الفعل اقتصرت على الإدانة والاحتجاج ، قالت في اليوم التالي للحريق بأنه أسعد أيام حياتها ؛ وليس غريباً فقد أُحتلت فلسطين من قبل ، ولم يتحرك المسلمون في شتى أنحاء العالم ، وتركوها تقع فريسة المؤامرات الصليبية والصهيونية ، ولما قامت “إسرائيل” بضرب المفاعل النووي العراقي ، سئل رئيس وزراء “إسرائيل” وقتها مناحيم بيغن عن رد الفعل العربي بعد العملية ، وهل هذا الحدث سيدفع الدول العربية للتضامن مع العراق ومواجهة الكيان الصهيوني؟ أجاب : أعتقد أنهم سيتكلمون كثيراً ، ثم سرعان ما ينسون ، وهذا ما حصل بالفعل ، وهكذا حصل بعد كل عمليات إسرائيل الإجرامية ، فبعد مجزرة صبرا وشاتيلا تكلموا ثم نسوا ، وبعد مذبحة المصلين في المسجد الإبراهيمي تكلموا ثم نسوا، ويتكرر الموقف نفسه بعد ما جرى في قانا وجنين وخان يونس وغزة ، وعندما احتلت العراق وأفغانستان والصومال تكلموا ثم نسوا ، وتكلموا بعد رسوم الدنمارك المسيئة للرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم ثم نسوا ، إنهم يتكلمون كثيراً ، ولكنهم سرعان ما ينسون ، وها نحن نتابع حلقة أخرى من حلقات مسلسل الشجب والاستنكار والإدانة والمناشدة ولقد أحسن القائل :
لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادى
وناراً لو نفخت بها أضاءت ولكن أنت تنفخ في رماد
نقولها بكل صراحة بأنه لن يوقِف عمليات إسرائيل إلا القوة ، والسؤال المطروح هل تتناسب هذه الأعمال الاحتجاجية مع حجم الاعتداءات الإجرامية التي تمارس ؟ كلا، والله ، لا تتناسب، ولا يمكن أن تكون هذه ردات أفعال خير أمة أخرجت للناس ، وما هكذا أمرنا ديننا أن نفعل ، فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ. وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. وَلَمَنْ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ. إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ . وقد أجمع أهل العلم أن العقوبة بالمثل الواردة في الآية ليست خاصة بالمُثلة التي كانت سبباً لنـزول الآية ، بل هي عامة في القصاص والحدود والمعاملة مع الكفار ، ومع فساق المسلمين الظلمة ، فإذا جاز الاقتصاص من المسلم بمثل جريمته ، فمن باب أولى ، تجوز معاملة الكافر الحربي بمثل معاملته للمسلمين ، وإن الأقصى لو تكلم لأبكى في استغاثته ولأوجع القلوب في تألمه ، ولانشق الصخر من أنينه ولدمعت العيون من حنينه ، وإن لسان الحال يقول : إذا كان البيت الحرام عنوان أمن واطمئنان ، ومن دخله كان آمنا ، فإن بيت المقدس عنوان جهاد وقتال إلى يوم الدين فكيف نصدق أن اليهود يريدون سلاماً ووداً ووئاماً مع المسلمين ؛ وهم يخططون ويعملون على هدم المسجد الأقصى المبارك ، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ويمنعون الناس حتى من أداء الصلاة فيه ؟ فأين عقول المسلمين وأين تفكيرهم ، بل أين دينهم الذي يؤمنون ؟! إن قضية المسجد الأقصى المبارك وفلسطين لا تُحلّ بالبكاء والعويل ، والاحتجاجات من هنا وهناك ، ولا تحلّ بخطب الجمع على المنابر ولا عبر وسائل الإعلام ولا تحل بيوم غضب ونصرة ، ولا بمؤتمر يعقد هنا أو هناك ، ولا تحل برفع شكوى إلى الجامعة العربية أو منظمة المؤتمر الإسلامي أو الرباعية أو البيت الأبيض أو مجلس الأمن ، أو المجتمع الدولي ، إنها لا تحل إلا بفعل ما فعله صلاح الدين الأيوبي رحمه الله ؛ عندما وحدّ بلاد المسلمين في مصر والشام تحت لواء هو الإسلام ، وتحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله ، وعندها هزم الصليبيين ، واسترجع المسجد الأقصى المبارك من دنسهم ورجسهم ، أما ما عدا ذلك من الحلول فلا يزيد المسلمين إلا ألما وحزنا ، ويمكّنُ اليهود من هدم الأقصى . وهنا سؤال : هل السيادة على المسجد الأقصى هي للمسلمين أم لليهود أم للنصارى ؟ لقد صرح وزير الخارجية الإسرائيلي شلوبن عامي سابقاً فقال :” لقد أصبح الصراع في الشرق الأوسط صراعاً على أرض المسجد” وهي الحقيقة الدينية الصرفة ، التي أفصح عنها الخطاب الإسرائيلي والأمريكي ، فيما يتعلق بالمسجد الأقصى ، أما الخطاب الغربي السياسي والإعلامي ، فقد تكلم باللهجة نفسها بخصوص السيادة على أرض ثالث الحرمين ، إن اليهود ليسوا أكثر من تجار ، دولتهم تلمودهم يحملونه حيثما وجدوا ، وأينما كانوا ، وهذا حالهم على مرِّ العصور ، حتى أنه قيل على لسان بن جوريون : “إنه يخشى أن لا يُدفن حفيده في فلسطين ” إنهم على يقين أكثر منا بأنهم غرباء عن المنطقة ، وسيغرقون في بحرها لولا الظروف التي ساهمت مساهمة فعّالة في إيجاد دولة اليهود ، وحمايتها وتثبيتها إلى هذه الأيام ، أضف إلى ذلك ما يقوله أصحاب سياسة الأمر الواقع : وماذا نملك نحن لنفعل حيال ما يجري للأقصى ؟ نقول لهم : افعلوا أي شيء تستطيعون ، ولو بأضعف الإيمان وذلك بإنكار الظلم وعدم الاعتراف بشرعيته ، والمناداة بالجهاد التجارة الرابحة مع الله عز وجل ، من أجل عز الدنيا وسعادة الآخرة : ﴿ يا أيها الذين امنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ء تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ﴾ الصف ، وبعدم المبالغة في قوة العدو ، التي اعتمدت على الدعاية المكثفة بقوة الجيش اليهودي ، وأنه لا يقهر ، وقديماً قالها الكفار لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد بدر: «لا يغرنك أنك قاتلت قوماً لا علم لهم بالقتال ، فإنك إن قاتلتنا علمت أننا نحن الرجال» .
وليكن هم المسلمين أن ليس هناك ما هو أعظم من عودة المسجد الأقصى إلى مظلة الإسلام ، ولو انتهت حياتهم على ذلك لكفى ، على أمل أن يأتي جيل المستقبل لاسترداده ، ولا يوجد من هو أمين على المستقبل لأنه ملك الأجيال القادمة ، فلا يورثوهم الخزي والعار بالاستسلام لعدوهم .
وقد أثبتت الأحداث الأخيرة في الأقصى وما حوله ، أن الأمة بخير ، وأنها مستعدة للجهاد ، ولدى أبناءها كامل الاستعداد للبذل والفداء ، مع أنهم عزّل ومجردين من السلاح للدفاع المشروع عن أرضهم ومقدساتهم باعتصامهم داخل الأقصى ، وهو أضعف الإيمان .
إنه لا ملجأ من الله إلا إليه ، وأن الشكوى لغير الله مذلّة وأن السير في غير طريقه ضياعٌ وضلال ، وأن المسلم لا حيلة له إلا أن يتوجه إلى الله بالدعاء ، بأن يحفظ الأقصى والمقدسات والله القائل : ﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُون ﴾ .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *