واجب العلماء تقديم النصح للطغاة

إن النصيحة أساس في هذه الحياة ، وهي أمر مهم في شريعة الإسلام، والنصيحة لغةً :   الإخلاص ، وفي الشرع : كلمة جامعة جعلها النبي صلى الله عليه وسلم ترادف الدين ، فإذا ضاعت النصيحة ، ضاع الدين، والنصيحة لله تعالى هي توحيده وعبادته ، وطاعة أمره وترك نهيه.

لقد سجل التاريخ صوراً من البطولات الحية   لعلماء السلف الصالح ، ومن أروع هذه البطولات ، مواقف النقد والنصيحة للأمراء والحكام ، لأنهم فقهوا قول النبي صلى الله عليه وسلم : (سيكون أمراء فسقة جورة، فمن دخل عليهم فصدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فليس مني وليس بوارد على الحوض ) ” دخل سفيان الثوري على الخليفة المهدي فنصحه ، وأغلظ له في القول ، فقال له وزير المهدي: تُكَلِم أمير المؤمنين بمثل هذا؟ فقال له سفيان: اسكت ما أهلك فرعون إلا هامان فلما ولّى سفيان ، قال الوزير للمهدي: أتأذن لي أن أضرب عنقه؟ فقال له: اسكت، ما بقي على وجه الأرض من يُستحيا منه غير هذا “.

والقاريء للتاريخ قديمه وحديثه ، يجد أن عدد الطغاة والمستبدين ، يفوق عدد الخيّرين والصالحين ، وكانوا على الدوام موضوعا للكراهية ، ولم يكونوا موضوعا للحب والإعجاب ، لأنهم يتحكمون في شؤون الناس بإرادتهم ، ويحاكمونهم بهواهم ، لا بشريعة الله  ومهما أنجزوا من أعمال ، فلا قيمة لأعمالهم    فهذا هتلر وموسوليني ، ماذا أفادت أعمالهم سوى الخراب والدمار وكما قال أفلاطون : ” من يقتل الناس ظلماً وعدوانا ، ويذق بلسانه وفمه دماء أهله ، ويشردهم ويقتلهم ، فمن المحتم أن ينتهي به الأمر إلى أن يصبح طاغية ” فقد عرف عن كثب كيف يعيش الطغاة ، وما ينفقون على أنفسهم وعلى حاشيتهم وملذاتهم    بلا حسيب ولا رقيب ” ، ويرى أرسطو:” أن الطاغية يختار الفاسدين من البشر في نظام حكمه  فهم عبيد النفاق والتملق” . إن الجهر بكلمة الحق ، للطغاة والمستبدين مسئولية وأمانة ، لا يهدأ القلب ولا يرتاح الضمير ، إلا بإعلانها ، فهى من صفات العلماء الأتقياء ، يصدعون بها  تنفيذاً لأمر الله تعالى : ﴿ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴾الحجر 94  ووفًاءً للعهد والميثاق الذى أخذه الله تعالى علينا بالتبيان فقال الله تعالى :﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ ﴾آل عمران 187. وللبلاغ المبين قال تعالى : ﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾الأحزاب39   وتشبها ً بمواقف الرجال ، في زمان قلت فيه مواقف الرجال ، وندر به الجهر بكلمة الحق  وطلباً للموتة الشريفة ، والمنزلة العالية في الدنيا والآخرة ، التي أخبر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله ) السلسلة الصحيحة. فأين الجهر بكلمة الحق ، في زمان علا فيه الطغاة والمستبدين ، وكُذِّب فيه الصادق وخُون الأمين؛ يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( إن بين يدي الساعة سنين خداعة يُصدق فيها الكاذب ويُكذب فيها الصادق، ويُؤتمن فيها الخائن، ويُخوّن فيها الأمين وينطق فيها الرويبضة قيل: وما الرويبضة؟ قال: المرء التافه يتكلم في أمر العامة) السلسلة الصحيحة ، إن الجهر بكلمة الحق مطلب شرعي لحفظ النفس ، وحفظ الأمة من الهلاك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( إنكم اليوم في زمان كثير علماؤه ، قليل خطباؤه ، من ترك عشر ما يعرف ، فقد هوى، ويأتي من بعد   زمان كثير خطباؤه ، قليل علماؤه ، من استمسك بعشر ما يعرف فقد نجا )السلسلة الصحيحة .

لهذا ينبغي على العالِم الشعور بمسؤولية النصح والجهر بكلمة الحق ، ” فهذا ابن طاووس عندما طلب منه المستنصر ، أن يتولى منصب المفتي الأعظم للبلاد الإسلامية ، رفض طلب الخليفة ، ثم أوضح سبب ذلك ، في رسالة بعثها إلـى ولده جاء فيها :” يا بني ! لا تُحمد عاقبة من تواطأ مع الظالمين ، ولا يرجى خيرٌ من عالمٍ جلس على موائدهم ، فهم يستبدلون الدين بالدنيا   ويشترون الفتاوى بمئات الدنانير، فهل أبيع ديـني بدنياهم ؟ هيهات  فإنما هـي القطيعة مع الله سبحانه ” في تاريخنا الإسلامي مواقف خالدة للعلماء ، الذين كانوا السند المتصل عبر الأجيال للنصيحة ، رغم جبروت الطغيان والاستبداد ، ” دخل عالم على ملك طاغٍ مستبد بأحكامه ، فذكر العالم للملك خروجه عن الحق، فغضب وأمر بحبس العالم ، وبعد سبع سنوات ، جلس الملك يوماً للمظالم ، وتذكر كلام العالم، فأمر به   فأُحضرَ بين يديه ، وقال له : قد ركبت معي مركب الخطر، حين كلمتني بكلام غليظ ، قال العالم : أنا طبيبٌ إذا دخلتُ على مريض أنصحه  فقال الملك  :  و من أمرك أن تقول لي ذلك  قال العالم :   وأنت من أمرك أن تجلس على هذا الكرسي للقضاء ؟ فقال الملك : أمرني أمير البلاد ، قال العالم : وأنا أمرني رب العباد  فقال الملك : أما علمت أنَّ من تجرأ على السلطان عرَّض نفسه للهلاك ! قال العالم : وأنت أما علمت أن من تجرأ على الرحمن   يلقى في النيران ! فقال الملك : لم تقل العلماء مثل قولك هذا ؟ قال العالم : يخافون من سجن سبع سنوات  وأنا أقتدي بسيدنا يوسف ، السجن أحب إلي من ابتغاء رضاك  أو اختشاءِ بلاك، فطاب قلب الملك ، وقال للعالم : اطلب مني ما تريد  قال أنا شيخ ردَّ عليَّ شبابي ، فقال الملك : لا أقدر على ذلك    قال العالم : نجني من الموت فقال الملك : ليس لي ذلك ، قال العالم : أنا على باب من يقدر على ذلك كله ، فقال الملك: سألتك أن لا تبرح حتى تطلب مني شيئاً فالتفت العالم  فأبصر عبداً دميم الخَلق فقال: إن كان ولا بد  فإني أطلب من عبدك هذا  وليس منك   فقال الملك : هذا جهل منك   تتركني   وتطلب من أقل عبدٍ لي  قال العالم : أغضبت حين قلت أطلب من عبدك هذا ، وأنا أخاف أن يغضب علي مولاي ، ويقول تتركني  وتطلب من أقل عبد لي ، فقال الملك : لا تبرح مكانك ، ما لم تطلب مني شيئاً  قال العالم : احمل لي ثلاثة أكياس حنطة على ظهرك   فقال الملك : لو قدرت لفعلت ، قال العالم : إن كنت لا تقدر على حمل ثلاثة أكياسٍ من الحنطة على ظهرك ، فكيف تقدر على حمل أوزار الناس ، نحن بهذا الزمان لا نستطيع حمل اوزارنا ” . هكذا استطاع هذا العالم ، أن يقدم لهذا الملك نصيحة فصيحة بموقفه أولا، ثم بمقاله ثانيا، موقف أغضب الملك ، لأنه جاء مناقضا تماما لما درج عليه الملوك ، من تقاليد الأبهة  والتمجيد المزيف والألقاب الفخرية المزورة  ورغم محاولة القتل وإظهار الغضب، جاءت أجوبة العالم الناصح  لتثبت له زيف وكذب ما كان يظن أنه الحق .

جاءت نصائحهم ، لتنديد الإسلام الشديد بالظلم ، والتسلط والإفساد، جاءت لتذكر بكرامة المومنين، كما تذكر بالقانون الإلهي في تعامله مع الحكام ، إذا طغوا وفسدوا ، سلط عليهم العدو، وأفسد عليهم عيشهم، وتجرأ عليهم بالإذلال ، وأخذ البلاد والأموال .

لقد أبدى العلماء المسلمون، وإلى أمد غير بعيد، حساسية فائقة ، تجاه الحكام ، باعتبارهم يتحكمون بمصير الأمة، فلم يتهاونوا إذا ما بدر منهم أدنى تقصير أو تفريط أو انحراف، بل كانوا يتصدون للفساد من بدايته بالحكمة والموعظة الحسنه حينًا، والتعنيف والترهيب حينًا آخر، وكان لهذا النهج دور كبير في الحد من طغيان الحكام ، وإيقاظ ضمائرهم ، والحفاظ على جماعه المسلمين من الانحراف المهلك الذي لم تقع فيه ، إلا حين رفع العلماء أيديهم وتراجعوا عن واجباتهم ، ومسئولياتهم الشاملة وحصروها في إطار العبادات والفرائض   واستسلموا ، وأسلموا أنفسهم لسلاطين جائزين ، تكبروا في الأرض بغير الحق، واتخذوا سبيل الغي سبيلاً ، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم فقد تودع منها ) .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *